أثار حصول الرئيس الأميركي باراك حسين أوباما على جائزة نوبل للسلام لهذا العام، مشاعر مختلطة من الذهول والمفاجأة، وردود فعل متباينة من الجدل والتساؤل، لكن بقي السؤال الأول هو: إذا كان الرئيس أوباما ما زالت جيوشه تحتل العراق، وما زالت تحارب في أفغانستان وباكستان على بعد آلاف الأميال عن أميركا، بما يجعل الرئيس الأميركي في الواقع أقرب لوصف رجل حرب.. فكيف ينال الجائزة كرجل سلام؟!
.. وإذا كان الرجل بخطاباته ووعوده يعلن سعيه الجاد للسلام، لكنه في الواقع لم يحقق السلام بعد، لا في العراق ولا في أفغانستان، ولا حتى في التمهيد الصحيح لمفاوضات السلام في فلسطين، لا بمجرد إدانة العدوان الوحشي الإسرائيلي على قطاع غزة المحاصر، ولا بالضغط على إسرائيل لوقف الاستيطان الاستعماري الصهيوني في الضفة الغربية، ولا بالضغط عليها للتوقيع على معاهدة منع الانتشار النووي..
فهل جاءت نوبل كجائزة «تقديرية» لأعماله، أم كجائزة «تشجيعية» لأقواله؟!
صحيح، تغير المناخ الدولي إيجابيا بعد «أوباما»، الذي وعد العالم بالسلام ولم ينفذ وعوده بعد، عما كان عليه في عهد «بوش» الذي توعد العالم بالحروب ونفذ ما توعد به باحتلال أفغانستان وغزو العراق.. وصحيح أن أوباما أشاع الكثير من المثل الإنسانية العليا كالعدالة والحرية والسلام، ورفع الكثير من اللافتات الصحيحة والنبيلة، مثل إحلال الحوار محل المواجهة، والدبلوماسية محل العسكرية، ومثل «عالم خال من السلاح النووي».
ولكن.. ما زال الفارق كبيرا بين الأقوال والأفعال، وما زالت اللافتات براقة، بينما الواقع بالغ السوء، ليس على ما يبدو لأن الرجل لا يريد، بل لأن الرئيس الأميركي لا يستطيع فعل كل ما يريد، بسبب مؤسسات وجماعات ضغط أميركية تقليدية ما زالت بتركيبتها السياسية القديمة، ومصالحها الاقتصادية في الحروب، وبانحيازها للمصالح على حساب المبادئ، تناهض وبشراسة هذه الأفكار والتوجهات السياسية الجديدة!
غير أن ذلك كله لا يعطي لأوباما، كداعية للسلام ولنزع السلاح النووي حتى الآن، شهادة بالبراءة أو بالاستحقاق للجائزة، ممن رأوه يمنع الانتشار بينما يبقي السلاح النووي بالاحتكار، ومن اكتشفوا أنه جدد لنتنياهو ما تعهد به نيكسون لجولدا مائير من تستر على برنامج إسرائيل النووي العسكري، وبعدم مطالبتها بالتوقيع على معاهدة منع الانتشار.. فكيف يتفق هذا مع ما يدعو إليه من «عالم خال من السلاح النووي»؟!
ولا يعطيه كرجل قانون شهادة بالعدالة مع وضعه لإسرائيل فوق القانون، ومساعدته للمجرم للإفلات من العقاب، بمحاولته التغطية على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة، حين يعطي وعدا لنتانياهو بمنع نقل تقرير «جولدستون» من جنيف إلى نيويورك، وبالتصريح بأن السماح بمناقشة التقرير في مجلس الأمن يوم غد لن يليه إجراء من المجلس ضد إسرائيل.. فكيف يقوم سلام بغياب العدالة؟!
غير أن اللافت للأنظار كان رد فعل الرئيس أوباما نفسه، الذي كان الأقرب للواقع في التفسير وللصدق في التعبير، حين قال للصحافيين في حديقة الورود بالبيت الأبيض: إنه فوجئ بفوزه بالجائزة، لكنه قبل التكريم كدعوة للتحرك، وأنه لا يعتبره اعترافا بانجازات حققها، وإنما كتأكيد لقيادة أميركية من أجل طموحات يتطلع إليها الناس في أرجاء العالم، وأنه يشعر بالتواضع إزاء هذا الشرف، ويعتبر الجائزة «دعوة للعمل» لنزع السلاح النووي ولنشر العدالة والسلام... ونحن نقبل «كلام» أوباما!