أجل.. تقرير القاضي ريتشارد غولدستون فضح إسرائيل كدولة تتعمد ممارسة أفظع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. لكن سعي قيادة السلطة الفلسطينية إلى دفن التقرير بالتعاون مع إسرائيل والولايات المتحدة، فضح طبيعة النظام السياسي الذي تقوم عليه السلطة.

ورغم استدراك قيادة السلطة لموقفها ومحاولة تصحيحه، فإن ما ينبغي استخلاصه من الملابسات وردود الفعل الفلسطينية والعربية، هو أن القضية المصيرية للشعب الفلسطيني أصبحت الآن بحاجة إلى نظام سياسي جديد تماما، يكون إيذانا بإحلال عهد جديد لمسيرة النضال الفلسطيني الطويلة. هذه هي الرؤية التي ينبغي من خلالها مراجعة مشروع المصالحة الفلسطينية.

والخطوة التأسيسية الأولى في هذا الصدد، ينبغي أن تكون إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية بمشاركة كافة الفصائل، لتصير بحق الممثل الشرعي والأوحد للشعب الفلسطيني، لا كنسخة طبق الأصل من قيادة فصيل «فتح» وقيادة السلطة الفلسطينية التي هي بدورها نسخة من فتح.

إنشاء منظمة تحرير جديدة يجب أن يسبق أي بند آخر في اجتماعات ومداولات المصالحة، ليكون من صلاحيات المنظمة الجديدة واختصاصاتها تشكيل حكومة وحدة وطنية.

إذا أنشئت منظمة جديدة فإن اختصاصها الأعظم سيكون وضع برنامج جديد للعمل الوطني الفلسطيني.. على أن يؤخذ في الاعتبار استخلاص الدروس والعظات من سلبيات طريق أوسلو.

وفي مقدمة هذه الدروس والعظات رد الاعتبار لنهج المقاومة المسلحة، بما يتطلب رد الاعتبار لميثاق منظمة التحرير. ليس معنى هذا نبذ نهج التفاوض مع إسرائيل جملة وتفصيلا، وإنما المعنى هو أن يكون الأسلوب التفاوضي خيارا ثانويا لخدمة الكفاح المسلح، استرشادا بالتراث التاريخي العالمي لحركات التحرر.. علما بأن التفاوض غير المسنود بمقاومة ميدانية مسلحة، انتهى بقيادة السلطة الفلسطينية إلى شبكة من الطرق المسدودة.

وإذا قدر لمنظمة تحرير جديدة أن تخرج إلى حيز الوجود، فإنه سيكون من اختصاصها وحدها تشكيل حكومة الوحدة الوطنية. وهي بطبيعة الحال ستكون حكومة انتقالية تتولى أمر أجندة محددة، من بينها النضال من أجل رفع الحصار عن قطاع غزة، وحسم مسألة إدارة معبر رفح، والتحضير لانتخابات تشريعية ورئاسية.

في كل الأحوال لن يكون للمصالحة الوطنية معنى، إذا لم يؤخذ في الاعتبار أن الملابسات التي ترافقت مع تقرير غولدستون، أثبتت الحاجة إلى عهد فلسطيني جديد.