المصالحة الوطنية، في الساحات العربية الملتهبة، تكاد تتحوّل إلى مرادف للاستحالة. ثمة ما يجعلها تبدو وكأنها عصيّة على التحقيق. كافة الأطراف ترفع بيارقها وتنادي بأهميتها وضرورتها وأولويتها، مع ذلك تتعذر ترجمتها على الأرض. التمهيد لها يستغرق دهراً. يمرّ بمطبات ووساطات وظروف ضاغطة وممرات خطرة.
وعندما تتمخض المحاولات والنوايا عن الوصول إلى نقطة توحي بأنها أثمرت، سرعان ما تتبخّر ويتبين أنها مجرد سراب، وفي أحسن الأحوال تبقى تراوح مكانها والمصالحة تبقى معلّقة، ومع غيابها يزداد التأزم ويتفاقم النزيف الداخلي. حلقة مفرغة، من لبنان، إلى العراق، مروراً بالسودان والصومال فاليمن.. ناهيك عن الوضع الفلسطيني، الذي يحتفظ بموقع خاص في هذا المشهد. وكأن الالتقاء في خندق وحدة وطنية جامعة مطلوبة، ولو بالحدّ الأدنى؛ بات من الممنوعات بين أهل البيت الواحد في منطقتنا.
آخر المفارقات الفاقعة، كانت في الساحة الفلسطينية. كل شيء كان يشي بأن طبخة المصالحة الفلسطينية قد نضجت. الموعد تحدّد للتوقيع، والانقسام صارت أيامه معدودة. فجأة وبقدرة قادر، طارت العملية. سقطت ضحية على مذبح تقرير غولدستون. الاستعدادات ليوم التوقيع انقلبت إلى تجدّد حرب التراشق بقنابل الاتهامات الحارقة، بين رام الله وغزة.
«حماس» طلبت تأجيل التوقيع، على أساس أن السلطة تحاول «التهرب من مسؤولياتها تجاه فضيحة غولدستون». والسلطة تقول إن «حملة حركة حماس، بشأن التقرير، كشفت عن أهدافها للتهرب من استحقاقات المصالحة». حرب كلامية، تهدّد بعودة الأمور إلى المربع الأول، إذا لم تكن قد عادت فعلاً. جدارة هذا التعليل أو ذاك، ليست هي الموضوع. فالمسألة أبعد من أن تكون مباراة بين الاتهامين . لا رابح في مثل هذه المباراة سوى إسرائيل، طالما بقيت الوحدة الوطنية متعذرة التحقيق.
الموجع في هذه المعمعة، أن التقرير الذي كان ينبغي تحويله إلى ربح فلسطيني صاف؛ تحوّل إلى أداة لزيادة تعميق الشرخ داخل الصف الفلسطيني. المؤكد أن السلطة وقعت في غلطة كبيرة، بموافقتها على تأجيل التصويت على التقرير. كان حريّاً بها أن تسارع إلى الاعتراف والالتفات إلى تقليل الخسائر؛ عبر العودة إلى تعويم التقرير.
المصلحة الفلسطينية الوطنية تقضي بذلك، كما كانت تقضي به ضرورات تحصين موعد المصالحة. أيضاً نفس هذه الضرورات كانت تقتضي من غزة، الاكتفاء بتسجيل موقفها من التأجيل، مع الحرص على فصله عن موضوع المصالحة. فهذه الأخيرة أولى من التقرير، على أهميته وفداحة الخطأ الذي حصل بخصوصه. التضحية باستعادة الوحدة الوطنية، ولو بالتأجيل، لا تعوّض عن الخطأ.. تماماً كما أن هذا الأخير لا يشفع له تبرير.
