تمثل زيارة العاهل السعودي الملك عبد الله إلى سوريا، والتي أحيطت بعناية بروتوكولية خاصة، تحولاً مهماً في مسار تفكيك العقد والاستعصاءات في الحالة العربية الرسمية، وهي العقد التي تفاقمت بشكل كبير بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، وتعاظمت من حينها في سياق التباينات التي شهدتها العلاقات السورية المصرية، والعلاقات السورية السعودية، وهي التباينات التي اتسعت لتنتقل من التباعد في رؤية قضايا الملف اللبناني، إلى الملفين الفلسطيني والعراقي، وصولاً إلى الموضوع المتعلق بالعلاقات العربية الإيرانية.
فقد دشنت زيارة العاهل السعودي لدمشق، مرحلة هامة في مسار سياسي وعملي طويل لإعادة ترتيب العلاقات العربية العربية، في ساحة مليئة بالتعقيدات والتداخلات الإقليمية والدولية، خصوصاً مع وصول التسوية في الشرق الأوسط إلى نقطة انسداد شبه مغلقة، على مسارها الفلسطيني، فضلاً عن المسارين اللبناني والسوري.
وعلى هذا الأساس فان الاهتمام الإعلامي والدبلوماسي بزيارة العاهل السعودي لدمشق، سبق الزيارة نفسها، حيث كثفت الأوساط الإعلامية والسياسية تركيزها في صورة خاصة على الدور التاريخي للعلاقات السورية السعودية في توطيد التضامن العربي، وإيجاد الحد الأدنى من التوافقات العربية العربية. فالتدهور في علاقات الأطراف المختلفة في الحالة الرسمية العربية، تأتى كوليد مباشر للتدهور في العلاقات السورية السعودية، والسورية المصرية.
وبالطبع، ليس هناك من شك في أن سر الاهتمام بزيارة العاهل السعودي لدمشق، يتجاوز المطروح والمتوقع من قبل المراقبين والمتابعين لأوضاع المنطقة بشكل عام. ففي التقدير المباشر هناك عدة أسباب تقف وراء هذا الاهتمام الخاص بزيارة العاهل السعودي للعاصمة السورية، والسبب الأول منها يعود إلى شعور الطرفين بالحاجة لتجاوز مرحلة القطيعة غير المعلنة (أو لنقل التباينات وبرودة العلاقات وجفائها) التي استطالت منذ أبريل 2004، خصوصاً وأن التحولات اللاحقة باتت تتطلب سلسلة من الخطوات من اجل فتح صفحة جديدة، وعلى رأسها إعادة بناء الثقة، بشأن القضايا المشتركة في الإطار العربي العام، وقضايا الاهتمام المتبادل بالنسبة للبنان وفلسطين، والعلاقات العربية الإيرانية على وجه الخصوص.
والسبب الثاني الذي يدفع باتجاه إعادة وتنشيط وتفعيل العلاقات السعودية السورية واللقاء المشترك بين دمشق والرياض، وإحياء صورة التحالف التقليدي والعقد التاريخي بين الرياض ودمشق، هو أن كلا الطرفين تلقى النوايا المتبادلة بصدر رحب وبغزل متبادل، وبدأت معاني التجاوب تظهر في الساحة اللبنانية وغير اللبنانية، الأمر الذي اشعر كلا الطرفين بأن مساعيهما المشتركة بالنسبة لإعادة بناء وتجديد العلاقة بينهما تسير في الطريق الجيد.
وأن أولى علامات التقاط وخلق المناخات الايجابية تمت بعيد انجاز الانتخابات البرلمانية اللبنانية، وكذا انتخاب العماد ميشال سليمان لرئاسة لبنان، بعد مخاض طويل من التطورات العاصفة التي ضربت لبنان، وتوج مرحلة هامة على طريق إعادة ترتيب العلاقات العربية العربية، بفضل المبادرة المباشرة للعاهل السعودي وخطابه الشهير في قمة الكويت العربية التي عقدت في نهاية يناير الماضي.
ومن هنا، نستطيع القول: إن مسار تطور العلاقات السعودية السورية وعودتها إلى خط التفاهم، بات مفتوحاً لتعود العلاقات تدريجياً إلى سابق عهدها منذ أن تم إرساؤها في عهد الرئيس الأسد الأب والملك الراحل فيصل بن عبد العزيز بداية سبعينات القرن الماضي، حين لعبت دمشق إلى جانب الرياض دوراً متميزاً في صنع الأجواء العربية الايجابية، وفي المساعدة على حلحلة وتذليل العديد من المصاعب التي كانت قد اعترضت حالة العلاقات العربية العربية، في قضايا لبنان وفلسطين، وبعد ذلك في العراق، وملف العلاقات العربية الإيرانية.
وعليه، فإن زيارة العاهل السعودي لدمشق، مؤهلة لإحداث تطور ايجابي في الحضور والتأثير السعودي السوري المشترك في المنطقة، خصوصاً وأن المملكة العربية السعودية، مسنودة بثقلها الإقليمي والاقتصادي، وبحضورها الدولي المرموق، وبمؤسساتها، وثوابتها، وبالحسابات الدقيقة التي تأخذ بعين الاعتبار المصلحة السعودية والعربية كلها، وعلى وجه الخصوص مصالح الشعب الفلسطيني في كفاحه العادل من أجل العودة والاستقلال وتقرير المصير. كما أن اللقاء السوري السعودي سيسهم على الأرجح في كسر الجمود وإعادة فتح الطريق أمام ترتيب وبناء العلاقات السورية المصرية.
وعلى الجانب السوري، وانطلاقاً من المنحى العام للسياسة السورية خلال العام الماضي، يمكن فهم التفاعلات السياسية السورية مع البيئة الدولية الخارجية، بما فيها التحالفات السياسية الخارجية عموماً خلال العام المنصرم، ومن هنا جرى وصف السياسية الخارجية السورية باعتبارها سياسة براغماتية بامتياز، وذلك نتيجة لاختلاف السلوك السياسي في مراحل معينة، باختلاف الظروف والوقائع، عبر ديناميكية مرنة، استطاعت من خلالها دمشق التكيف مع تلك الظروف.
وفي نفس الوقت المحافظة على مطالبها باستعادة أراضيها المحتلة، وكذلك الحفاظ على قوة دورها الإقليمي بالقدر الممكن في ظل المعطيات الدولية القائمة، والمحاولات التي استهدفت دورها ووزنها وحضورها الإقليمي، حيث يمكن القول إن محركات وأدوات الفعل السياسي السوري هي محركات وأدوات وطنية صرفة بامتياز، فقد أصبحت قضية الجولان، قضية الوطنية السورية الأولى في المجتمع السوري التي يجري يومياً تحشيد الموقف الشعبي وراءها.
وهي المحرك الأساسي، والمحور الذي تدور حوله كافة مخرجات السياسة السورية ومدخلاتها على مدار الأربعة عقود الماضية، وهي أيضاً القضية التي استحوذت على جزء هام من سياسة النظام الخارجية خلال العام الماضي، وبنى تحالفاته على أساسها، انطلاقاً من حقيقة أن الصراع مع إسرائيل هو محرك السياسة الخارجية السورية.
أخيراً، إن المنطق الجيوبولتيكي، ومنطق السياسة، والأيديولوجيا، والمصالح، والرؤية المبدئية، والبراغماتية العملية.. كلها عوامل تبرر المنحى العام للتفاؤل بنتائج زيارة العاهل السعودي لدمشق، حيث التحديات المشتركة تستدعي تنسيقاً فاعلاً، ومصارحة بشأن التصورات التي تهم كل جانب، كما تستدعي تبادلاً للخبرات المتراكمة، وتجاوزاً لإرث التجاذبات والجفاء الذي لم يثمر إلا مزيداً من تراجع الأوضاع العربية عامة.
ومثل هذا التنسيق يضع دمشق والرياض في موقع الوسيط الحريص على وحدة لبنان والصف الفلسطيني، والمهم الآن أن يبنى على هذا التطور المحقق في التنسيق السوري السعودي، وأن تتضافر الجهود العربية.
وخاصة جهود مصر ودول الخليج من أجل الإفادة من زخم الديناميكية الجديدة في العلاقات السورية السعودية، وتوظيف ذلك في إنجاح الحوار الفلسطيني الفلسطيني ومعالجة آثار الانقسام الأليمة في فلسطين، كما في استعادة لبنان لعافيته.
كاتب فلسطيني