تأتي هذا الأسبوع الذكرى الثامنة لبداية العمليات العسكرية في أفغانستان، في ظل اشتداد النقاش وتزايد الخلاف في واشنطن الرسمية والسياسية والاستراتيجية، حول السياسة الأفغانية المطلوبة، ليس للخروج من المستنقع الأفغاني فحسب، بل لتجفيفه كمصدر للإرهاب، ولو قامت في السنوات الأخيرة «مستنقعات» أخرى. لكن لا شيء يضمن أن لا تعود أفغانستان المصدر الأول للإرهاب، إذا ما انهار الوضع كليا.

يزداد النقاش حدة في واشنطن بعد أن احتلت أفغانستان مكان الصدارة على الأجندة الدولية للولايات المتحدة، في وقت يتراجع فيه تأييد الرأي العام الأميركي للحرب في أفغانستان (38%)، فيما تزداد معارضة الحرب (58%). كما تتراجع الثقة بالسياسة الأفغانية لأوباما من 56% في نيسان/ ابريل الماضي، غداة إعلانه عن استراتيجيته الجديدة حينذاك، إلى 43%.

ويبدو أن أفغانستان بالنسبة لأوباما ستكون مثل 11 سبتمبر بالنسبة لجورج بوش، المسألة التي ستطغى على صياغة الأولويات والسلوكيات والسياسات الخارجية الأميركية.

عناصر خمسة تدل أو تفسر ازدياد النقاش حرارة وحدة في واشنطن حول أفغانستان:

أولاً، الانتخابات الرئاسية الأفغانية التي فشلت في صنع شرعية وطنية للرئيس العائد إلى السلطة، لا بل زادت من اهتزاز صورته.

ثانياً، إعلان واشنطن عن بداية سريعة ومبكرة لتخفيض القوات الأميركية في العراق ابتداء من نهاية هذا الشهر، لمصلحة تعزيز القوات الأميركية في أفغانستان.

ثالثاً، تزايد الحديث عن فيتنام جديدة تلوح في الأفق في أفغانستان، مع ما تحمله هذه المقارنة من مخاوف ومحاذير وذكريات مريرة، وذلك رغم رفض الرئيس الأميركي لهذا التشبيه الذي بالطبع، مع اختلاف الظروف، يبقى قائما في ما يتعلق بالغرق التدريجي في «المستنقع» وعدم وضوح الهدف.

رابعا، التقرير التحذير الذي قدمه قائد القوات الأميركية في أفغانستان الجنرال ستانلي ماكريستال، حول أن بلاده تواجه خطر الهزيمة. وعاد ليذكر بذلك في محاضرة عامة، في ظل تململ غربي من مطالب زيادة القوات، ومحاولة بعض الدول الغربية تخفيض وجودها الرمزي أساسا في إطار قوات الحلف الأطلسي.

وخامسا، ازدياد المخاوف من أن خسارة أفغانستان هذه المرة، في ظل الأوضاع الأفغانية الباكستانية المتشابكة وازدياد العنف والإرهاب في باكستان، ستهدد أمن واستقرار باكستان، والبعض يحذر من تحولها إلى دولة فاشلة، مع التذكير بأنها دولة نووية أيضا.

قرار الرئيس الأميركي إعادة النظر في استراتيجيته التي أعلن عنها في مارس الماضي، أطلق «الصراع» حول أفغانستان، وكشف في واشنطن عن وجود معسكرين يتواجهان في هذا الخصوص. معسكران يمكن اختصارهما بمعسكر مكافحة التمرد، ومعسكر مكافحة الإرهاب.

المعسكر الأول يفترض زيادة القوة العسكرية، وهو ما كان عليه رأي أوباما في مارس الماضي. ويعبر عن هذا المعسكر حاليا الجنرال ماكريستال، الذي يعتبر أن بلاده في حرب ضد «كونفدرالية من حالات التمرد»، ومعه وزيرة الخارجية ورئيس الأركان ضمن شخصيات أخرى في الإدارة.

والمعسكر الثاني، الذي يبدو أن أوباما بدأ ينحاز إليه بقوة، يمثله نائب الرئيس جو بايدن والسيناتور جون كاري الذي يرى أن الزيادة ستؤدي إلى مزيد من التورط ودون نتيجة على مجرى الحرب، ويفضل التركيز على عمل عسكري نوعي ضد الإرهاب.

المثير للاهتمام في هذا الصدد أن الجمهوريين بشكل عام يقفون مع زيادة القوات، والديمقراطيون مع التخفيض أو عدم الزيادة. ويتخوف الرئيس الأميركي من أنه إذا انحاز إلى الزيادة وقف ضد حزبه وصار أسيرا «للجمهوريين» الذين يمكن أن يتخلوا عن موقفهم إذا صارت الحرب عديمة الشعبية.

تقف واشنطن في حقيقة الأمر أمام خيارات أربعة بالمطلق:

أولا، الانسحاب بعد الوصول إلى حالة التعب الكلي من النزاع، وازدياد الخسائر وانغلاق الأفق أمام أي تقدم، مما يعيد البلاد إلى حرب أهلية واسعة تقدم أنسب بيئة لعودة تمركز الإرهاب.

ثانيا، الحرب المفتوحة في النوعية وفي الزمان، مع مخاطر ذلك على الوضع الداخلي الأميركي، الذي إذا لم يتحقق أي تقدم ملموس على الأرض سيزداد حدة في معارضته للإدارة الحالية.

ثالثاً، التركيز ضمن السياق الحربي القائم في تعزيز محاولات بناء مؤسسات الدولة. ويذكرنا احمد رشيد، الكاتب الباكستاني المتخصص في تاريخ وسياسة المنطقة، بأن أفغانستان كانت دائما (دولة مؤسسات الحد الأدنى): فالمركز قوي لدرجة توفير الأمن والنظام، ولكن ليس بالقوة الكافية للتغلب على البنية القبلية واستقلاليتها، والمطلوب في رأيه التركيز على الاستثمار، ليس في بناء دولة مركزية قوية، بل في اقتصاد زراعي بشكل خاص، وفي دعم التعليم لتعزيز الاستقرار المجتمعي. مشروع ليس بالسهل ويتطلب حالة أمنية مستقرة، والأهم توافق الحد الأدنى الفاعل مع البنية القبلية الطاغية على المجتمع.

والخيار الرابع، يقوم على تلزيم الأمن لأمراء الحرب والقبائل، من خلال إيجاد صيغة تقاسم سلطة بينها جميعا. ويقول الكاتب الأميركي فريد زكريا بهذا الخصوص إنه يجب تحويل محور التركيز «من بناء الأمة» إلى عقد اتفاقات مع هؤلاء، والتحدي الأكبر في هذا الخصوص يتعلق بكيفية إعادة إدماج الطالبان الأوسع تمثيلا للبشتون في السلطة.

الاستراتيجية المطلوبة في نهاية الأمر، قد تكون مزيجا مركبا من بعض هذه الخيارات الأربعة. لكن حماية هذه السياسة تستدعي أن تأتي في إطار بناء تفاهم خارجي بين الدول المؤثرة والفاعلة في الشأن الأفغاني، للإسهام في صياغة اتفاق من هذا النوع وحمايته، مع التذكير بأن استمرار الوضع الحالي على ما هو عليه، سيؤدي إلى مزيد من الانهيارات وعودة أفغانستان لتتكرس كدولة فاشلة بامتياز، وهي حالة تتخطى أفغانستان بأبعادها.

كاتب لبناني

hitti@wanadoo.fr