تعكس تصريحات الرئيس الأميركي باراك أوباما تعديلات في أولويات السياسة الأميركية، ويبدو أن الملف الأفغاني انتقل للمقدمة، وملف تقليص الأسلحة الاستراتيجية إلى المرتبة الثانية.
وعلى الرغم من دعوات أوباما لعدم السماح بانتشار أسلحة الدمار الشامل، ونزع الأسلحة النووية، إلا أن أولويات الإدارة الأميركية تكشف أن هذا البند لا يتصدر جدول المهام الملقاة على عاتق الرئيس الجديد، وهو ما لمسناه من تصريحاته خلال زيارته إلى موسكو، إذ قدم الرئيس الأميركي تنازلات تمثلت في ربط ملف تقليص الأسلحة الاستراتيجية بخطة نشر الدرع الصاروخية الأميركية، مقابل الاتفاق مع نظيره الروسي على فتح الأجواء والأراضي الروسية لشحنات المؤن والإمدادات العسكرية للقوات الأميركية في أفغانستان. وفور توقيع هذا الاتفاق باشرت واشنطن بإرسال الشحنات العسكرية الأميركية عبر الأراضي الروسية إلى أفغانستان في أغسطس الماضي.
وخلال لقائه مع قيادات الكونغرس، استعرض الرئيس الأميركي أوباما تقييم القادة العسكريين الأميركيين للوضع في أفغانستان، وكشف أن استراتيجيته الجديدة بشأن أفغانستان لن ترضي الجميع، مشيرا إلى أن مراجعته لهذه الاستراتيجية تقوم على عدم سحب القوات من هذا البلد، كما تقوم على عدم تخفيض عددها.
ويبدو أن أوباما قد استند في رؤيته هذه إلى أن القوات الأميركية بدأت تفقد مرتكزاتها في وسط آسيا، وبات تواجدها في قرغيزيا مرتبطا بموافقة موسكو، ما يزيد من أهمية أفغانستان. ناهيك عن أن الولايات المتحدة التي خاضت معارك عديدة منذ عام 2001 على الأراضي الأفغانية، لا بد وأن تثبت مصداقيتها، ليس فقط أمام المجتمع الدولي، وإنما أيضا أمام المجتمع الأميركي والغربي بشكل عام، بدلا من مغادرة ساحة المواجهة مع قوى الإرهاب. ولا بد من الإشارة إلى أن أوباما عقب توليه منصب الرئاسة منذ عدة شهور، أعلن أنه يعتبر أفغانستان هي الساحة الأساسية للمواجهة في الحرب ضد قوى الإرهاب وليس العراق، وأرسل قوات إضافية في ربيع هذا العام لمساندة القوات المتواجدة في معاركها ضد طالبان.
وقد حصل أوباما على مساندة قطاع من أعضاء الكونغرس، ما يجعل الملف الأفغاني في المرحلة الحالية يتصدر أولويات السياسة الأميركية، بهدف تحقيق نتائج سريعة تمكن الإدارة الجديدة في واشنطن من تثبيت أقدامها في البيت الأبيض. واللافت أن انحياز أوباما لمطالب العسكريين الأميركيين الخاصة بإرسال قوات إضافية، يلقى معارضة شديدة من أعضاء حزبه وممثليه في الكونغرس، بينما تساند هذا القرار قيادات وممثلو الحزب الجمهوري الذين ربطوا تأييدهم لقرار أوباما بموافقة القيادة العسكرية الأميركية.
ولا يعني ذلك أن أوباما فقد أنصاره داخل الحزب الديمقراطي، إذ إن قطاعات متنفذة داخل الحزب أعلنت عن مساندتها لموقف الرئيس، ما دفع المعارضين للتراجع والمطالبة بضرورة إجراء تعديلات في السلطة الأفغانية لضمان تعاونها مع القوات الأميركية، وصياغة استراتيجية جديدة إزاء الوضع في أفغانستان.
ولاشك أن تفاقم حدة الصدامات في أفغانستان وزيادة حجم الخسائر العسكرية الأميركية، دفع إدارة أوباما للتعامل مع هذا الوضع القائم في أفغانستان من منطلق انهيار حالة الأمن وعودة الحرب من جديد في هذه المنطقة، والتي ستفتح الباب لاستعادة حركة طالبان لمواقعها ونفوذها.
وتواجه أوباما مشكلة تكمن في الخلاف مع شركائه في حلف الناتو، حول ضرورة إرسال دعم عسكري يتألف من 30 ألف جندي ومدرب عسكري لإنقاذ عمليات حفظ السلام في المنطقة، إذ تعارض فرنسا وألمانيا إرسال قوات إضافية، بينما وافقت بريطانيا على زيادة قواتها في أفغانستان، إلا أن أوروبا تجمع على أهمية تدريب وتجهيز قوات الأمن الأفغانية والشرطة المحلية والجيش الأفغاني، بدل التركيز على إرسال وحدات عسكرية جديدة في إطار عمليات عسكرية لمحاربة مقاتلي حركة «طالبان»، وضرورة «أفغنة» عمليات حفظ السلام.
ومن الصعب تجاهل هذا الخلاف الذي قد يضعف قدرات واشنطن على تحقيق خطتها، وهو ما تدركه إدارة أوباما التي تتمحور تحركاتها في هذه الفترة على تنفيذ خطتها لتسوية الأزمة الأفغانية واجتذاب أنصار لها، ليس فقط في الناتو، وإنما أيضا ضمن التحالف الدولي المعادي للإرهاب.
ويمكن القول إن هذا الملف، على الرغم من الخلاف حول أساليب تسويته، إلا أنه قد يكون سبيلا لتقريب مواقف البلدان نحو إحلال الاستقرار تدريجيا في العلاقات الدولية، والتعامل مع المخاطر الحقيقية التي تواجه المجتمع الدولي.
كاتب أوكراني