لقد جاء اجتماع جنيف الذي انعقد في الأول من هذا الشهر، بين إيران والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا، بمثابة مفاجأة للكثيرين الذين لم يتوقعوا تعاوناً إيرانياً مع الدول الست حول برنامجها النووي. فبعد انتهاء اجتماع جنيف تعالت الأصوات المتفائلة بخصوص إيجاد تسوية مرضية لبرنامج إيران النووي.

فيما لم تخفت أصوات المتشائمين الذين اعتبروا أن الاجتماع كان بمثابة مكسب لإيران، التي استطاعت بدبلوماسية المراوغة أن تغير المزاج الدولي من مزاج المواجهة ونذر الحرب والتهديد بالعقوبات، إلى مزاج التحاور والتعاون ورفع راية الدبلوماسية. فالمتفائلون اعتبروا أن إيران خطت خطوة إلى الأمام، فيما اعتبر المتشائمون أنها خطت خطوة إلى الخلف.

قراءتنا للواقع تقول بأن ما تم في اجتماع جنيف وما تبعه من تطورات، تمثلت في زيارة مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية لإيران، وإعلان إيران موافقتها على استقبال المفتشين الدوليين لمنشأتها النووية الجديدة، وعودة الحوار بين إيران والدول الست الكبرى الذي سيجري هذا الشهر، وخاصة بعد زيارة المفتشين الدوليين لمنشأة قم النووية.. كلها أمور إيجابية وتفتح المجال للمتابع بأن يعلن تفاؤله أكثر من أن يعلن تشاؤمه. هذا التفاؤل مرده الأساسي أننا نرى أن هناك في الآونة الأخيرة مجموعة من المعطيات الإيجابية المحيطة بهذا الملف.

والتي نعتقد أن من شأنها المساعدة على بلورة توجه جديد نحو وضع حد لحالة التوتر القائمة حول البرنامج النووي الإيراني، لاسيما من قبل الجانبين الإيراني والأميركي. وهذه المعطيات من وجهة نظرنا، كان لها الدور الأبرز في تغير موقف القيادة الإيرانية، من الموقف الرافض للحديث حول برنامج بلادها النووي وعن أي أفكار تحد من حق إيران في تخصيب اليورانيوم على أرضها، إلى الموقف الحالي الذي برزت فيه إيران مؤيدة للمساعي الدولية نحو التخصيب المرتفع خارج أراضيها.

هذا التغير الإيراني الذي لم تنجح الدول الأوروبية ولا الدول الكبرى ولا الولايات المتحدة في تحقيقه خلال السنوات الثماني الماضية، استطاعت إدارة الرئيس أوباما تحقيقه في ثماني ساعات ـ كما ذكرت إحدى الصحف الأميركية ـ خلال اجتماع جنيف. فيا ترى ما هو السبب وراء هذا التغيير في الموقف الإيراني؟

التحليل السياسي يأخذنا إلى مجموعة من المعطيات التي، كما ذكرنا، كان لها بالغ الأثر في التحول الإيراني من موقفها المتشدد إلى الموقف المتعاون حول برنامجها النووي. وهذه المعطيات هي على النحو التالي:

أولاً، لقد أصبح هناك إدراك لدى القيادة الإيرانية بأن السياسة الأميركية الجديدة تجاه إيران التي أتت مع الرئيس باراك أوباما، هي سياسة مثمرة وبناءة بالنسبة للقيادة الإيرانية، وأنها تختلف كل الاختلاف عن سياسة الرئيس جورج بوش الابن، حيث ان السياسة الأميركية الجديدة لا تتحدث عن التهديد والمواجهة العسكرية، بل تعطي الأولوية لخيار الدبلوماسية والحلول السلمية.

وهذا أمر يصب في صالح القيادة الإيرانية التي رأت أنه من الأفضل الاستثمار في هكذا سياسة، وعدم إعطاء الفرصة لمناهضي الرئيس أوباما لكي يؤثروا عليه في سبيل تغيير سياسته في التعامل مع إيران كما حدث مع الملف الفلسطيني، حيث ان اللوبي الصهيوني في أميركا لعب دوراً هاماً في إقناع الرئيس الأميركي بتغيير نبرة التشدد في فرض مسألة وقف الاستيطان من قبل حكومة بنيامين نتانياهو في إسرائيل، بعد أن كان أوباما متحمساً لدور أكبر في هذا المجال.

ثانيا، إن إدارة الرئيس أوباما كانت قد وجهت بعض الرسائل المباشرة إلى القيادة الإيرانية، مفادها أن الولايات المتحدة جادة في مسألة الانخراط مع إيران بدلاً من مواجهتها. وهذه الرسائل تمثلت في التالي: الرسالة الأولى برزت عندما لم تتدخل الإدارة الأميركية في الداخل الإيراني أثناء أزمة ما بعد الانتخابات الرئاسية الإيرانية، الأمر الذي أعطى انطباعاً لدى القيادة الإيرانية بأن إدارة الرئيس أوباما لا تسعى كما كانت إدارة الرئيس بوش الابن، إلى تغيير النظام السياسي قي إيران.

بل تعمل على التعامل مع إيران في سبيل تطويع النظام الإيراني للتعاون مع المطالب الدولية. والرسالة الثانية تمثلت عندما أعلنت إدارة أوباما عن استعدادها لقبول المقترحات الإيرانية لإجراء حوار مع الدول الكبرى، والمتمثلة بضرورة التحاور في قضايا عدة تعتبر هامة وحيوية بالنسبة لإيران، وأن لا يكون الحديث مقتصراً فقط على البرنامج النووي. وفي هذا تغير واضح في الموقف الأميركي الذي طالما كان يفضل اقتصار الحديث على البرنامج النووي الإيراني، دون غيره من الملفات.

والرسالة الثالثة جاءت عندما أوضحت الإدارة الأميركية أنها تود الضلوع المباشر في قضية الحوار مع إيران، من خلال إرسال مسؤول كبير للمشاركة في حوار اجتماع جنيف، وعن استعدادها للجلوس المباشر مع الإيرانيين خلال الاجتماعات القادمة.

وهو ما كان يختلف عن توجه الإدارة الأميركية السابقة التي لم تكن تشارك بشكل مباشر في المفاوضات التي كانت تجري مع إيران، وإنما كانت تعتمد على الدول الأوروبية في ذلك. مشاركة الولايات المتحدة بمسؤول أميركي في المفاوضات مع إيران في جنيف، وقبول المقترح الإيراني بالتحاور حول مجمل الملفات، وعدم التدخل في أزمة الانتخابات الإيرانية، كان لها كما يبدو بالغ الأثر على القيادة الإيرانية، بأن الإدارة الأميركية الجديدة على استعداد فعلي للتوصل إلى تسوية مع إيران بشأن ملفها النووي.

ثالثاً، نجاح الولايات المتحدة في الحصول على دعم دولي، لاسيما من قبل روسيا، للسياسة الأميركية الداعية للانخراط والتعامل الجماعي مع الملفات الدولية، والابتعاد قدر الإمكان عن فلسفة الحرب الباردة، جعل القيادة الإيرانية تدرك أن الموقف الروسي لا يمكن أن يكون داعماً لإيران ضد الولايات المتحدة، في حال رفض إيران التعاون مع السياسة الأميركية الجديدة، وعندها لن تتردد روسيا وكذلك الصين في دعم مسعى الولايات المتحدة لفرض عقوبات أكثر تشدداً على إيران، لاسيما تلك المتعلقة بمنع الحصول على البنزين من الخارج الذي تعتمد عليه إيران بنسبة نحو أربعين بالمائة لسد حاجتها الداخلية.

والتي قد تلقي بظلالها على حالة الوضع الاقتصادي في البلد وتزيد من التذمر الشعبي ضد النظام. وهذا معطى آخر فتح المجال أمام إيران للتعاون مع المجتمع الدولي بشأن برنامجها النووي. وأخيراً، الوضع الداخلي الإيراني والتحدي المستمر لشرعية النظام السياسي، جعل القيادة الإيرانية بحاجة للتعاون مع المجتمع الدولي، رغبة في تحسين صورتها وصورة النظام السياسي، ومحاولة لقطع الطريق أمام الدول الكبرى لدعم المعارضة داخل إيران.

كل هذه المعطيات كان لها دور هام في جعل القيادة الإيرانية أكثر برجماتية وتعمل على تغيير موقفها من الحوار مع القوى الكبرى، لاسيما بالتعاون معها في ملف برنامجها النووي، الأمر الذي يجعلنا نتفاءل بأن الحوار القادم في ظل استمرار هذه المعطيات، في طريقة لتحقيق خطوات إيجابية.

جامعة الإمارات

binhuwaidin@hotmail.com