منذ أطلق خادم الحرمين الشريفين نداءه الشهير في قمة الكويت العربية لطي صفحة الماضي في العلاقات العربية العربية، والعمل متصل لإنهاء القطيعة وبدء التحرك على طريق المصالحات، وصولا لحل الخلافات الفرعية بين العواصم العربية لتوحيد الصف العربي في مواجهة القضايا الأساسية والتحديات الخارجية، وفتح صفحة جديدة يحل فيها الوئام محل الخصام، والتفاهم محل التصادم، والحوار محل المواجهة، لتفعيل العمل العربي المشترك وتعزيز الأمن القومي العربي.. ارتفع سقف التوقعات الشعبية العربية تطلعا إلى الانطلاق لتطبيع العلاقات العربية، وليس إلى الانزلاق لتطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية.
وبينما جرى تطبيع العلاقات السعودية السورية على طريق سالك وصاعد للتفاهم والتنسيق بين البلدين على الملفات العربية والإقليمية المختلف عليها، بهدف الوصول إلى تفاهم مشترك بشأنها بما يبقي واقع الاختلاف وينهي حالة الخلاف، تأخر قطار المصالحات في محطات عربية أخرى مثل القاهرة ودمشق، والرياض وطرابلس.
وبعودة العلاقات السعودية السورية إلى حالتها الطبيعية بعد الزيارات المتبادلة، والزيارتين اللتين قام بهما الرئيس السوري بشار الأسد إلى جدة بما فتح الطريق بين الرياض ودمشق، فقد شكلت زيارة العاهل السعودي الملك عبد الله إلى سوريا تتويجا لهذه العودة الإيجابية، بما يفتح الطريق لعودة العلاقات العربية.
وأيا كانت درجات الوفاق السعودي السوري على هذا الملف أو ذاك، فإن هذا التواصل بين الزعيمين الشقيقين من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من مساحات التفاهم والتنسيق بين البلدين على مستوى العلاقات الثنائية التي احتلت الأولوية الأولى في المحادثات بينهما، كما من شأنه بكل تأكيد أن ينعكس إيجابيا على ملفات الأزمات العربية، خصوصا الملف اللبناني والفلسطيني والعراقي واليمني من جهة، والملفات الإقليمية من جهة أخرى، خصوصا ما يتعلق بتخفيض التوتر في العلاقات السعودية الإيرانية، وتوثيق العلاقات العربية التركية، بما يشكل فضاء عربيا وإسلاميا.
وكنا نتمنى أن يتحقق ما هو أكثر على صعيد العلاقات العربية، على الأقل بأن تسير العلاقات المصرية السورية بنفس الزخم الذي سارت به العلاقات السعودية السورية ليتوج الأمر بقمة ثلاثية احتفالية، خصوصا في ذكرى السادس من أكتوبر بين شركاء الحرب المجيدة، وكنا نتوقعها في العاشر من رمضان الماضي، لإعادة توحيد الصف والجبهة الواحدة في مواجهة الهجمة الإسرائيلية على الأقصى والقدس وغزة، ولحرمان إسرائيل من استثمار الخلافات العربية التي عمقها العدوان الأميركي ضد العراق واستثمرها الاحتلال الإسرائيلي ضد فلسطين.
ومازلنا نتمنى ألا تكون عودة علاقة عاصمة عربية بعاصمة عربية على حساب عاصمة عربية أو إسلامية أخرى، والنظر بشكل أوسع لاستثمار علاقات كل عاصمة عربية بالعواصم الإقليمية والدولية، لحساب القضايا العربية بدلا من محاولة قطعها حتى لا تكون على حسابها، بينما المطلوب وجود فضاء عربي على الساحة الإقليمية، وفضاء عربي إسلامي على الساحة الدولية، وأحدهما ليس بديلا عن الآخر.
فليس معقولا ونحن بحاجة لتضامن عربي وإسلامي في مواجهة الاحتلال الصهيو أميركي في فلسطين والعراق، أن تبدأ المفاوضات الإيرانية الغربية بينما تتجمد الحوارات الإيرانية العربية، وليس مقبولا أن تتطور العلاقات العربية الإقليمية، وينشأ تعاون استراتيجي سوري تركي وتفتح الحدود وتلغى التأشيرات، بينما لا تصل العلاقات العربية ـ العربية إلى مستوى العلاقات السورية التركية، ثم نلوم غيرنا ولا نلوم أنفسنا!