كنا نتمنى أن نسمع «لا» حاسمة تغلق باب الانجرار إلى التفاوض مع العدو الإسرائيلي، بدون مرجعية ملزمة، وبدون إيقاف للاستيطان، وبدون الاستمرار في التهام القدس وتهديد الأقصى، ولكن بدلاً من «لا» المنتظرة، داهمتنا «نعم» كسيرة منبطحة تجهض محاولة المجتمع الدولي محاكمة إسرائيل على جرائمها في حرب غزة، وتمنحنا «عار» أن يكون هذا الإجهاض المتعمد من صنع أيدينا، بعد أن رضخت السلطة الفلسطينية للضغوط الهائلة التي مارستها الولايات المتحدة من أجل منع المجلس الدولي لحقوق الإنسان من التصديق على تقرير غولدستون وإحالته للأمم المتحدة، تمهيداً لمحاكمة مجرمي الحرب على جرائمهم.
وقعت الواقعة، وتم تأجيل التصويت على التقرير، وهو ما يعني إفلات إسرائيل بجريمتها، وبطلب (أو بموافقة) من الطرف الفلسطيني نفسه، الذي حاول تحميل المسؤولية للأطراف العربية والإسلامية والإفريقية التي ردت بأن القرار كان نتيجة تفاهم ضمني بين السلطة الفلسطينية والدول الكبرى (كما قال أمين عام المؤتمر الإسلامي)، أو بأنها لم تستشر ولو حدث لرفضت (كما أكد الأمين العام للجامعة العربية)، أو بأنها لم تعلم بالأمر إلا بعد اتخاذ القرار (كمال قال وزير الخارجية المصري)!!
وأياً كانت المبررات لهذا القرار الذي رفضته كل الفصائل الفلسطينية بما فيها «فتح» نفسها، فإن العواقب وخيمة، وهي تتجاوز الإحساس بالإهانة الذي لا يقتصر على الفلسطينيين وحدهم، بل يمتد لكل العالم العربي، وتتجاوز أيضا التآكل لما تبقى من شرعية للسلطة الفلسطينية، لتكشف عن الضعف المزري الذي يجعل القدرة على مقاومة الضغوط دون الصفر، في وقت تعد فيه الساحة للتفاوض حول مصير القضية!
فأي قدرة على التفاوض الحقيقي يملكها طرف يضبط عدوه متلبسا بالجريمة الكاملة فيتطوع بتبرئته؟
وأي نتائج نتوقعها حين نساهم بأيدينا في إهدار الشرعية الدولية التي تظل ـ رغم كل شيء ـ سلاحاً يمكن أن يكون حاسماً إذا امتلكنا القدرة على استخدامه؟ وكيف سنطلب بعد ذلك دعم دول ساندتنا في هذه المعركة وصمدت للضغوط الأميركية والابتزاز الإسرائيلي واستعدت للتصويت لصالحنا، فإذا بنا نخذلها؟ وكيف سنخاطب الرأي العالم العالمي ومنظمات حقوق الإنسان والجماعات المدنية الفاعلة التي بذلت كل الجهود لكي تأخذ العدالة مجراها، فإذا بأصحاب الحق يطعنونهم في الظهر ويتيحون الفرصة للقتلة لكي يفلتوا من العقاب؟!
وقعت الكارثة التي لا ينبغي أن تمر بدون حساب، ولكن الكارثة الأكبر ستكون أن يتحول الأمر إلى مجرد حلقة جديدة في الصراع بين «حماس» و«فتح»، أو أن تكون أولى النتائج هي إهدار فرصة إقرار المصلحة الوطنية المقرر توقيع الاتفاق الخاص بها في القاهرة قبل نهاية هذا الشهر. الاتفاق ينبغي أن يوقع، وأن يكون التوقيع بتصميم أكيد على تجاوز الانقسام الداخلي، وعلى تصحيح الأوضاع من خلال جهد مشترك بين كل الفصائل وفي مقدمتها حماس وفتح، يحاسب على ما وقع، ويضع الأسس لكيفية صنع القرار الفلسطيني والمسؤولية عن تنفيذه في هذه المرحلة الحاسمة.
فلا ينبغي أن يكون القرار في يد فرد مهما كان، ولا ينبغي أن تضيع المسؤولية لدرجة أن تتخذ اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير قراراً (كما حدث مع تقرير غولدستون)، ثم تجد تصرفاً مخالفاً لقرارها، وتحتاج للجنة تحقيق لتعرف من الذي فعل ما فعل، وكيف، ولماذا؟
منذ بداية عمل السلطة الفلسطينية ونحن نحذر من عواقب إضعاف منظمة التحرير لحساب السلطة، وكنا نؤكد على ضرورة أن تكون هذه السلطة مجرد آلة تنفيذية لسياسات وخطط المنظمة في الداخل، وأن يبقي القرار في يد المنظمة، وأن تبقى هي المخولة بالتفاوض، باعتبارها الممثل الشرعي الفلسطيني في الداخل والخارج. وأظن أن هذه لحظة لإعادة النظر في الأوضاع الحالية، لإعادة الاعتبار للمنظمة كسلطة عليا لاتخاذ القرار، مع توسيع تمثيلها في ضوء اتفاق المصالحة، ومع وجود اللجنة المقترحة التي تضم الفصائل وإعطائها المجال، لتكون دائرة أساسية لصنع القرار في القضايا المهمة لحين استكمال التمثيل في المنظمة.
إن المحاسبة على ما وقع في مأساة التعامل مع تقرير غولدستون واجبة مهما كان شخص المخطئ، ولكن الأهم ألا نحول الأمر إلى وقود لاستئناف حروب الفصائل أو لتعطيل إتمام المصالحة الوطنية، بل إن نبدأ من نقطة الاتفاق على إدانة ما حدث لكي نصحح الخلل، ولكي نستعيد ثقة الشعب الفلسطيني أولاً وثقة الرأي العام العربي والعالمي، وإلا فالبديل هو ما نرى بوادره في ما يحدث في القدس وفيما يعد للأقصى، من جانب عدو يرى جرائمه تمر بدون عقاب، وباتفاق مع من ذهبوا ليطلبوا الثأر، فطلبوا التأجيل!!
ومع ذلك، سيبقى تقرير غولدستون وثيقة غير مسبوقة في إدانة إسرائيل، وأيضاً في إدانة ضعف العرب والمسلمين وهو انهم على أنفسهم وعلى الآخرين. ولن تسقط جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل، ولكن الخوف أن تسقط قضايانا إذا لم نستعد القدرة على أن نقول «لا»، وأن نتخلى عن وهم أن التنازلات المجانية ستعيد حقاً أو تصنع سلاماً لا يستحقه ـ على مدى التاريخ ـ إلا من يملكون مصيرهم بأيديهم!!
كاتب مصري
