استوقفني تساؤل طرحه إياد البرغوثي رئيس مركز رام االله لحقوق الإنسان. قال البرغوثي: «إذا كانت القيادة الفلسطينية لم تستطع التعامل مع تقرير دولي يتحدث عن جرائم حرب ارتكبتها إسرائيل في غزة، بسبب ضغوط مورست عليها، فكيف سيكون الأمر عند الحديث عن قضايا الحل النهائي مثل اللاجئين والقدس؟».

التساؤل يعكس مخاوف الشعب الفلسطيني نحو المستقبل انطلاقا من مؤشرات الحاضر، بما يقود تلقائياً إلى تساؤل أعظم شأنا وأجل خطراً: ما هو الدور الحقيقي للسلطة الفلسطينية من المنظور الإسرائيلي ـ الأميركي، وهل ارتضت قيادة السلطة لنفسها هذا الدور؟

هناك سلسلة من المؤشرات المتصلة ببعضها البعض، يبدو التعامل مع تقرير غولدستون أحدث حلقة فيها. الطلقة الاستهلالية تمثلت في إعلان رئاسة السلطة شعار «إزالة عسكرة المقاومة». بادئ الأمر ظن الناس في الشارع الفلسطيني أن الشعار ليس أكثر من فرقعة إعلامية عابرة، لكن ما جاء بعده تباعا من تطورات على أرض الواقع، أثبت أنه المرتكز الأساسي لسياسة السلطة.

باسم «الحرس الرئاسي» جرى تشكيل قوة عسكرية خاصة، مهمتها الوحدانية قمع فصائل المقاومة المسلحة تحت إشراف جنرال أميركي. وفي هذه الأثناء أنشئت آليات للتنسيق الأمني على نحو يومي مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، بغرض ملاحقة عناصر المقاومة وتبادل المعلومات الاستخباراتية من أجل هذه الغاية.

ومع استمرار التنسيق الأمني واصلت قوات الاحتلال عمليات المداهمة والاعتقال ضد الأسر الفلسطينية، بالإضافة إلى هدم منازل ومصادرة أراض، دون أي تدخل من القوات الأمنية الفلسطينية لحماية الفلسطينيين. على صلة بهذا كله، علينا أن نأخذ في الاعتبار أن ميزانية السلطة الفلسطينية يجري تمويلها من مصادر غربية: تحديدا الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي. وهو بطبيعة الحال تمويل تترافق معه شروط سياسية وأمنية ذات طابع ابتزازي.

وإذن، فإن تعامل السلطة الفلسطينية الغريب مع تقرير غولدستون على الصعيد الدولي، لا يمكن قراءته بصورة صحيحة إلا في ضوء ما سبقه من مؤشرات ذات دلالة. ولكن علينا أن ننتبه إلى انه رغم أن التعامل مع التقرير يمثل أحدث الحلقات في مسلسل المؤشرات، فإنه لن يكون آخرها. ومن هنا ينبع الخوف من المستقبل على نحو ما أشار إليه إياد البرغوثي. فالأرجح في هذا الصدد أن الجانب الفلسطيني سوف يتجاوب مع لعبة شراء الوقت التي تمارسها إسرائيل، لتضييع قضايا الوضع النهائي عن طريق سلسلة من المفاوضات العبثية.