من حق شيخ الأزهر‏,‏ بل من واجبه‏,‏ أن يضع اللوائح والقواعد التي تضبط عمل مؤسسته‏,‏ وإلا كيف يمكن لهذه المؤسسة الجليلة أن تستمر في أداء دورها؟ وعندما يصدر الشيخ قرارا لمنع النقاب في المعاهد الأزهرية فإن هدفه هو تنظيم العمل وحماية الدارسات من أي دخيل يمكن أن يهدد أمن وسلامة الفتيات‏,‏ ومع ذلك يجب أن نتساءل‏:‏ أليست هناك قضايا أهم تستوجب الالتفات إليها والتركيز عليها؟ الوطن ـ وطننا ـ لديه قضية التعليم وكيفية تطويره‏,‏ والخدمة الصحية وإمكان النهوض بها وتحسينها لتصل إلى كل المواطنين‏,‏ وقضيته تحسين البنية الأساسية حتي يشعر الناس بأن حياتهم اليومية أصبحت أسهل وأفضل‏.‏

الناس يريدون مياها صالحة للشرب‏,‏ وكهرباء في كل بيت‏,‏ وصرفا صحيا‏,‏ وطرقا فسيحة عصرية تقلل من حجم الحوادث التي تزايدت في الآونة الأخيرة‏.‏ الناس يريدون المدارس والمستشفيات وفرص العمل‏.‏ أليست هذه هي أولويات المواطن المصري الآن؟ فما بالنا فجأة تنفجر في وجوهنا أوهام النقاب؟ ما هذه الضوضاء والجلبة والصخب الذي لاداعي له ولا أهمية؟ ومع ذلك فلا مانع من الحديث عن النقاب‏!‏

أولا‏:‏ من أساسيات الدولة العصرية أنها دولة تتكون من مؤسسات‏,‏ وليس من شراذم بشرية متفرقة يفرض كل منها رأيه ومنطقه علي الآخرين‏,‏ ومعلوم أن المؤسسة‏(‏ كل مؤسسة في الدنيا‏)‏ لها لوائح وقوانين وقواعد عمل لا يمكن الخروج عليها‏,‏ وإذا حدث وخرج كل من هب ودب علي هذه اللوائح انهارت المؤسسة‏,‏ ومن ثم ينهار المجتمع‏,‏ وكما نعرف جميعا فإن الأزهر مؤسسة‏,‏ بل هو من أهم مؤسسات الدولة المصرية‏,‏ بما له من مهمة جليلة في نشر الدعوة وتعليم الناس أسس دينهم‏,‏ فإذا أصدر شيخ الأزهر قرارات وقوانين ولوائح لتنظيم عمل الأزهر فينبغي أن يحترم الجميع هذه اللوائح‏,‏ وبالتالي عندما يصدر الشيخ قرارات بمنع النقاب داخل المعاهد الأزهرية فإن الهدف هو تنظيم عمل هذه المعاهد منعا للإضرار بسلامة وأمان هؤلاء الفتيات‏,‏ وبناء عليه لا يصح أبدا أن نأخذ القضية في مسار أبعد من هذا حتي لا نصاب بالبلبلة والتشويش‏.‏

وثانيا‏:‏ إن قضية النقاب لا علاقة لها بالدين‏,‏ وأي محاولة للربط بين عدم ارتداء النقاب والكفر أو الخروج من الدين هي محاولة بائسة فاشلة‏,‏ وليكن معلوما للجميع أن ارتداء النقاب من عدمه مجرد مسألة فرعية ثانوية لا علاقة لها بصميم الدين‏,‏ لأن ديننا الحنيف أكبر من هذه المسائل وأشمل وأعم‏.‏

وثالثا‏:‏ إن من حق المجتمع حماية أبنائه بالطريقة التي يتفق عليها غالبية الناس في هذا المجتمع‏,‏ وليس قلة قليلة منه فقط‏(‏ أليست تلك هي الديمقراطية؟‏),‏ ومعلوم أن مجتمعنا اتفق علي مجموعة من الإجراءات يجب اتخاذها مع كل داخل إلى مؤسساته‏,‏ وهذه الإجراءات الأمنية‏,‏ علي فكرة‏,‏ موجودة في العالم كله‏,‏ فإذا طالب مسئول الأمن في المؤسسة أو الجامعة أو حتي في المركز التجاري السيدات بالكشف عن وجوههن ليتأكد من شخصيتهن هل في هذا إخلال بمبدأ المواطنة‏,‏ أو بالحريات الشخصية‏,‏ أو بصحيح الدين؟ ما هذا الذي نفعله في أنفسنا بالضبط؟

دعونا نكن صرحاء مع أنفسنا‏,‏ هل نريد مجتمعا عصريا متطورا يماثل بقية مجتمعات خلق الله‏,‏ أم نريده مجتمعا خائفا مذعورا غارقا في الأوهام؟ هل معني ذلك أن نحارب النقاب ومرتديات النقاب؟ أبدا‏..‏ من قال ذلك‏,‏ إن ما نريده أن يمارس كل مواطن حريته الشخصية كما شاء‏,‏ لكن بشرط ألا يفرض منطقه الشخصي علي الآخرين‏,‏ وأن يحترم قيم المجتمع‏,‏ والتي علي رأسها الاعتدال والوسطية والحداثة‏,‏ ولسنا هنا في حاجة إلى تكرار المقولة المعروفة إن حدود حريتك تنتهي عند بدء حدود حريتي أنا‏.‏

نحن في مجتمع‏,‏ والمجتمع قواعد وقوانين يجب احترامها‏,‏ أما من أراد الخروج علي هذه القواعد والقوانين واللوائح ليفرض قواعده هو الشخصية‏,‏ فإن أحدا لن يقبل هذا المنطق‏,‏ وإلا أصبحنا في غابة تسودها الفوضي‏,‏ فهل هذا ما نريده لأنفسنا؟