كل شيء في هذا العالم المتعولم يجري تسييسه، إن لم يكن قد جرى تسييسه بالفعل لصالح تحالف الشمال ضد لا تحالف الجنوب.. النظام الدولي ممثلا في الأمم المتحدة التي تضم عشرات الدول، تم تفصيله على قياس اتحاد الأمم الأربع فقط صاحبة الفيتو الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، الذين انتصروا في الحرب العالمية الثانية على ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية واليابان الإمبراطورية، وفرضوا من بعدها وصايتهم السياسية على العالم وحتى الآن، وصولا إلى السيطرة الاقتصادية والثقافية.

وتطبيقات القانون الدولي يجري تسييسها لخدمة الأجندات السياسية لتلك الدول الشمالية الكبرى، التي تفرض نفسها بالقوة لا بالحق على قمة النظام الدولي، فجرى ويجري العدوان والغزو والاحتلال من بعض هذه الدول المهيمنة أو من حلفائها بدفع منها وبحمايتها، على الدول العربية والإسلامية الأعضاء، دون رادع من المنظمة الدولية.. ومؤسسات العدالة الدولية يجري تسييسها بالانتقائية، أو بالازدواجية، وكذلك المحكمة الجنائية الدولية التي تخصصت في اتهام ومحاكمة الأفارقة، وأيضا ومؤخرا في المجلس العالمي لحقوق الإنسان.

والحديث عن صراع بين الشمال والجنوب في عالمنا القديم والحديث، ليس وهما ولا هوسا بفكرة المؤامرة، بل هو واقع في كل المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية، بل والرياضية أيضا. فالشمال الأوروبي الأكثر قوة والأكثر تقدما، هو الذي استخدم القوة المسلحة لاستعمار الجنوب الآسيوي والأفريقي واللاتيني على مدى عقود، ولم يخرج منها عن طيب خاطر، بل بكفاح الشعوب وبمقاومتها لتلك القوة الغاشمة والمستغلة والظالمة..

ولم يكن استعمار الشمال للجنوب إلا للسيطرة على مزارعه ومناجمه وتشغيل أبناء المستعمرات فيها كالعبيد، واستغلال ثرواته ومواده الخام الزراعية والمعدنية بسعر رخيص، لتحريك مصانعه وتشغيل عماله، وإعادة تصدير هذه المواد إلى أسواق أصحابها في صورة منتجات مصنعة بسعر عال، بعد أن فرض على دول الجنوب فتح أسواقها لتبقى مستوردة وليبقى هو مصدِرا ومتقدما صناعيا، بينما تبقى دول الجنوب متخلفة، وليزداد الشمال قوة وغنى، ويزداد الجنوب ضعفا وفقرا!

والشمال الأميركي الأوروبي الأبيض لم يبن تقدمه الصناعي والزراعي إلا بقتل الجنوبي الهندي الأحمر والأسود، وإلا باستعباد الجنوبي الأفريقي الأسمر بخطف وشراء الآلاف منهم وشحنهم مكبلين كالدواب في سفن مدججة بالسلاح، لتعبر بهم المحيط من سواحل أفريقيا الجنوبية إلى المحاجر والمزارع والمصانع الناشئة في سواحل أميركا الشمالية، لتبني أميركا تقدمها وقوتها ولترث النفوذ الاستعماري الأوروبي، على حساب دماء وعرق الحمر في أميركا الجنوبية، والسمر في أفريقيا.

ومن هنا وإلى عهد قريب، كانت أفريقيا الجنوبية هي المزرعة الخلفية التي تعاني من الاحتكار والاستغلال الرأسمالي لأوروبا الشمالية، وأميركا الجنوبية هي الحديقة الخلفية التي تعاني من القهر والاستعباد الاستعماري لأميركا الشمالية، قبل أن يجدد الاستعمار والاستغلال القديم شكله وآلياته تحت اسم العولمة، ليبقى الصراع مستمرا بأشكال أخرى بين الشمال القوي والغني والمتقدم، وليتضح في التنافس بين الشركات العملاقة.

خصوصا في مجالات الطاقة، على أسواق الجنوب بين الشمال والشمال. ولكن بقي تسييس كل ميادين الصراع والتنافس السياسي والاقتصادي والثقافي والرياضي هو الأبرز، سواء بين الشمال والجنوب أو بين الشمال والشمال، سعيا لأن تبقى السيطرة والنفوذ في المنظمات الأممية والهيئات الدولية، كالبنك الدولي وكصندوق النقد الدولي واليونسكو، وفي الجوائز العلمية، وحتى في المهرجانات الفنية والمسابقات الرياضية، في يد الأقوى والأغنى والأكثر تقدما.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com