المتتبع للشأن العراقي والتحولات الجارية على الساحة السياسية، يلاحظ وجود محاولات محمومة لتشكيل تحالفات سياسية جديدة بلبوس جديد، أو عن طريق إعادة إنتاج مسميات جديدة لكيانات سابقة تحت عناوين أو أسماء تتخذ من الشعارات الوطنية ستاراً لها، من دون حصول تحول حقيقي في المنطلقات النظرية لهذه التجمعات والكيانات السياسية استجابة للمنطق القائل إن الأوطان ثابتة والسياسات متغيرة.

لكن المشكلة الجوهرية في نظام الحكم القائم حالياً، هي أن كل القوى والأطر والفعاليات السياسية المتسيدة للمشهد العراقي، تعاني في الواقع من اختلال جوهري بين ما تدعو إليه وتتبناه من شعارات وأهداف وسياسات، وما ما تطبقه على أرض الواقع مما يتناقض كلياً مع كل ذلك!

فمن غير المنطقي أن يحارب الطائفية أشخاص طائفيون، وصلوا إلى مناصبهم وامتيازاتهم عبر عملية سياسية شكلها الاحتلال الأمريكي ورسخها على مرتكزات طائفية وإثنية، ووفر لها غطاء دستورياً جعل نظام الحكم يقوم على أساس المحاصصة والتنسيق بين جماعات طائفية، هدفها فقط السعي إلى الاستمرار في السلطة مهما كانت الأثمان والكلفة، ولا يهم ما إذا كان عائد هذه الاستمرارية سينعكس على الشعب العراقي جوعاً وتهجيراَ طائفياً وموتاً يحصد أرواح المئات من فقراء هذا الشعب.

فالإحصائيات المنشورة، تشير بما لا يقبل الشك إلى أن العراق صار أكبر مخزون بشري من الأيتام يدور حول رقم الخمسة ملايين، ومليون أرملة، وما يزيد على مئة ألف معتقل من غير محاكمة، وبطالة تجاوزت نسبة السبعين في المئة، واقتصاد محطم وقطاع خاص مشلول تماماً، ناهيك عن العطش للبشر والأرض في بلاد ما بين النهرين، وشبه انهيار في النظام الصحي وانتشار غير مسبوق للمخدرات التي لم يألفها العراق سابقاً، وتفش واسع للأمراض والأوبئة، وغير ذلك الكثير بحيث وصف صحفي أجنبي العراق بأنه «تحول من أرض السواد إلى بلاد الرماد»..

نعم هذا هو الواقع، وقد أشار إلى جزء منه موفق الربيعي مستشار الأمن القومي العراقي في مقابلته مع الفضائية العراقية ليلة 9/8/2009، بأن كل شيء في العراق محطم والخدمات التي كان يحصل عليها المواطن العراقي خلال فترة الحصار أيام النظام السابق أفضل بكثير مما يناله اليوم..

وإذا ما أضفنا إلى كل ما سبق آفة الفساد المالي والرشوة وسرقة المال العام التي جعلت العراق منافساً شرساً لبلدان مثل الصومال وميانمار، على المراتب الأولى في الفساد بحسب معايير منظمة الشفافية العالمية..

فما الذي تحقق خلال ست سنوات هي عمر التغيير الذي بشر به المحتل والحكومات التي جاءت معه، وانتهجت سياسات مغرقة في التجهيل والسعي لتفتيت الوحدة الوطنية التي عرفها العراق طيلة تاريخه العريق، بل وسعت ذلك إلى تخريب النسيج والمنظومة القيمية للمجتمع العراقي، ووصلت الحال إلى أن العراق صار لا يعترف بشهاداته الأكاديمية، فانهار النظام التعليمي الذي كان لعقود طويلة يُعد منارة علمية في المنطقة والعالم؟

لذا فان المراقب للحراك السياسي الجاري في العراق، يستطيع أن يصل من دون عناء إلى نتيجة واحدة، وهي أن المشاركين الفاعلين في ما يدعى العملية السياسية الجارية، قد وصلوا إلى طريق مسدود وعقيم.

فكل الذي جرى هو سياسات انتهجت ومحاولات لتهشيم الشخصية العراقية وتدمير البنية التحتية للعراق كبلد وإنسان، وطروحات تقسيم البلد إلى فيدراليات، وفسح المجال أمام تأثير قوة إقليمية لتنفيذ أجندتها في العراق عبر مجموعات سياسية جسدت من خلال سلوكها وأدائها السياسي الولاء للخارج.

وكأن المطلوب لم يكن تغيير نظام الحكم السابق الذي يصفونه بالدكتاتورية، إذ حلت بدلا منه دكتاتوريات الجماعات السياسية النفعية المرتبطة بالفكر والنوازع الطائفية، والمعبأة بالثأر لتحطيم الكيان العراقي وجعله ضعيفاً وهشاً وكسيحاً أمام جيرانه، كي يسهل عليهم في مرحلة قادمة من الصراع تفتيته ضمن كانتونات طائفية وعنصرية..

وأعتقد أن التحضيرات الجارية والصراعات والتنافر والتحالفات بين الكيانات الحالية ومحاولة تجيير الفترة القادمة لها، يكشف أن هذه القوى فشلت فشلا ذريعاً في تقديم أي شيء نافع ومفيد للشعب العراقي المنكوب بالاحتلال، وأن معظم القوى التي سارت في ركابه والشخصيات التي شاركت في تنفيذ مشروع التغيير، قد أوصلت العراقيين إلى الترحم في كل يوم ألف مرة على نظام الحكم السابق الذي قدم لهم خدمات لا تقاس مطلقاً بما هو قائم الآن، وحافظ على وحدتهم الوطنية..

فمن المسؤول عما جرى وما يجري؟ فالمحتل باعتراف الحكومة العراقية يقول إن الحكومة العراقية صار بيدها كل شيء، ومع ذلك نرى رئيس الوزراء نوري المالكي يقول في أحد اللقاءات العشائرية بان هناك قوى في الحكومة التي يرأسها وفي البرلمان، تعطل موضوع إصلاح البنية التحتية، ولا تسمح له بإصلاح الكهرباء التي حرم من نورها شعب العراق طيلة السنوات الماضية، بحيث صارت العاصمة العراقية بغداد دار السلام ذات الملايين الستة تحتوي على خمسة ملايين مولد كهربائي، وصار التندر بين أفراد الشعب بأنه في ظل العهد الجديد صار لكل عراقي مولد كهربائي!

فإذا كان هذا حال رئيس الوزراء الذي ركز الدستور الجديد كل السلطات في يده، وحول منصب رئيس الجمهورية إلى ما يشبه صلاحيات ملكة هولندا لا يستطيع أن يصرف مبلغ مليارين من الدولارات من خزينة العراق التي دخلتها في العام الماضي أكثر من مئة وأربعين مليار دولار لا أحد يعرف أين ذهبت، فمن بيده إذن السلطة والصلاحيات الحقيقية؟

وإذا كانت هناك قوة سياسية أو كيان سياسي يتمتع بهذا النفوذ الذي يتمكن من تعطيل كل مشاريع إعادة بنية العراق، بما فيها إعادة الكهرباء والماء الصالح للشرب، فلماذا لا يستقيل رئيس الحكومة احتجاجاً على هذه الإشكالية ويصارح الشعب بذلك ويسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية؟..

لكننا في الواقع لا نقف أمام مشكلة صلاحيات أو تنازع هيئات على السلطة، إنما هناك ناتج سيئ لعملية سياسية عقيمة ومرتبكة، لم ولن تأتي للعراق بخير مطلقاً في ظل هذه الصراعات والتناحرات على الحكم والسلطة.. ولعلنا يمكن أن نردد قول الشاعر «رب يوم شكوت منه فلما صرت في غيره بكيت عليه»!

كاتب عراقي

Al.dulaimi@hotmail.com