في شهر يونيو ـ حزيران من عام 2008 قال 4 .53 بالمئة من الناخبين الأيرلنديين «لا» للاتفاقية الدستورية الأوروبية، المعروفة باسم اتفاقية برشلونة.
وقبل أيام قليلة في 3 أكتوبر ـ تشرين أوّل الجاري قال 13 .67 من الناخبين الأيرلنديين «نعم» للاتفاقية ذاتها.وفي الحالتين كان الأمر يتعلّق باستفتاء عام يتحدد بنتيجته إلى حد كبير المصير «الدستوري» للاتحاد الأوروبي.
فما سرّ هذا الانعطاف؟.
ما استجدّ خلال السنة المنصرمة هو أوّلا واقع الانحسار الاقتصادي الهائل الذي عرفته أيرلندة، بحيث كانت المنظومة المصرفية على حافة الانهيار في خريف عام 2008 والذي أمكن تجنبه بفضل ضمان حكومي للودائع قيمته 400 مليار دولار. وفي خريف عام 2008 أيضا كان العجز في الميزانية الأيرلندية هو الأكبر بين بلدان الاتحاد الأوروبي.
البنك المركزي الأوروبي ساعد أيرلندة على تخطّي الأزمة عبر تأمين السيولة النقدية المطلوبة لإنقاذ الوضع المالي «المتهالك». وأدرك الأيرلنديون أن قول «لا» لاتفاقية برشلونة هو كمن يطلق النار على نفسه. هذا البعد الاقتصادي كان غائبا بشكل شبه كامل عن الحملة الانتخابية لاستفتاء عام 2008. والأيرلنديون وغيرهم تحرّكهم أوّلا مصالحهم... والبقية تتبع.
كذلك جاء التحوّل الكبير نتيجة لتعبئة شعبيّة عامّة شاركت فيها الأحزاب السياسية والنقابات وقوى المجتمع المدني التي انضوت كلّها تحت لواء الدعوة للاقتراع بـ «نعم» لاتفاقية برشلونة.أمّا معسكر الـ «لا» فقد تمثّل في مجموع متنافر ضمّ المتطرفين يمينا ويسارا وكاثوليكيا الذين ركّزوا كلّهم على تخويف الناخبين من التهديدات التي تمثّلها اتفاقية برشلونة على «أخلاقيات» المجتمع الأيرلندي بما في ذلك إباحة «الإجهاض».
الأيرلنديون يمنعون «دستوريا» الإجهاض. والشركاء الأوروبيون قدّموا بهذا الصدد ضمانات بعدم المساس ببعض «الخصوصيات» الدستورية الراسّخة في المجتمع الأيرلندي؛ وهذا ساهم بالتأكيد في دفع شرائح محافظة من الأيرلنديين إلى الاقتراع لصالح ال«نعم».
بكل الحالات كان الرهان كبيرا بالنسبة لمسيرة التوحيد الأوروبي كلّها. ذلك أن اتفاقية برشلونة مثّلت «الحلّ الوسط» الذي توصّل إليه قادة أوروبا الـ 27 بعد جولات شاقّة من المفاوضات أعقبت فشل مشروع الاتفاقية الدستورية الأوروبية ـ الدستور الأوروبي ـ في عام 2005 بسبب رفض الفرنسيين ثم الهولنديين له في استفتاء عام.
كان الأيرلنديون قد رفضوا التصديق على اتفاقية برشلونة مرّة أولى وكان رفضهم لها مرّة ثانية يعني حكما عدم تطبيق بنودها، ذلك أنها تتطلّب مصادقة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عليها بالإجماع.وبالتالي كانت تلوح في أفق مسيرة التوحيد الأوروبي أزمة جديدة وجديّة قد تعطّل ما تمّ تحقيقه من تقدّم في طريق بناء الشرعية «الدستورية الأوروبية».
لكن مع فوز «نعم» في أيرلندة لاتفاقية برشلونة يمكن القول إن «النفق الدستوري» لم يعد مغلقا «تماما».لقد بقيت هناك عقبة «فاكلاف كلاوز» الرئيس التشيكي، العنيد والمعاند لاتفاقية برشلونة ولا يخفي نواياه في أخذها «رهينة»، بل هو معارض لأوروبا الموحّدة أساسا.
وعقبة أخرى تلوح في الأفق هي وصول المحافظين البريطانيين إلى السلطة، وهم «مناوئون تاريخيا ومبدئيا» لأي توحيد أوروبي يتجاوز عتبة الاقتصاد ومفهوم السوق المشتركة. مع ذلك كانت العقبة الأيرلندية هي «الأكثر وعورة».
لقد أصبح الطريق الدستوري سالكا إلى حد كبير، لكن هذا لا يحلّ كل شيء إذ تبقى العقبة الأكبر؛وهي بناء «أوروبا السياسية». وهناك إدراك عام أن توحيد الصوت الأوروبي وامتلاك مؤسسات سياسية قوية وثابتة يمثّلان الوسيلة الأفضل والأجدى للدفاع عن المصالح المشتركة على المسرح الدولي، خاصة في سياق التحديات المطروحة على عالم اليوم.
وهذا يتطلّب توفّر الإرادة السياسية المصممة التي لا تزال في حيّز الأماني كما تدلّ المواقف المتباينة، بل المتنافرة، التي اتخذها الأعضاء الأوروبيون الثمانية في قمة العشرين الأخيرة حول الأزمة المالية العالمية في بتسبورغ.
فهل تسمح ال«نعم» الأيرلندية لاتفاقية برشلونة الدستورية بالتقدّم خطوة نحو امتلاك «الإرادة السياسية». أم أنها «خطوة إلى الأمام... وخطوتان إلى الوراء؟!».
كاتب سوري ـ باريس