يكشف الموقف الفلسطيني الأخير الذي اتخذته السلطة بسحب تقرير جولدستون بشأن الحرب على غزة، وعدم التصويت عليه تمهيدا لإدانة إسرائيل ومحاكمتها عن مدى الهشاشة والضعف الذي وصل إليه التلاعب بمقدرات الشعب الفلسطيني والصراع العربي الإسرائيلي.

وجاء في أسباب ذلك السحب الرغبة في إفساح الطريق أمام الإسرائيليين للمضي قدما في عملية السلام، وعدم التضييق عليهم. الغريب أن الموقف تحول إلى اتهامات متبادلة، فالسلطة أنكرت قيامها بذلك، بينما أكدت المجموعة العربية والإسلامية ما قام به مندوب السلطة في مجلس حقوق الإنسان العالمي.

والحديث المعلن عن أن السلطة الفلسطينية تعرضت لضغوط من جانب أميركا وإسرائيل وبعض الأطراف العربية يبدو صحيحا ومقبولا بدرجة كبيرة. ورغم أننا تعودنا على الضغوط الأميركية ورضخنا لها إلا أن الصدمة هذه المرة كانت هائلة، مشينة ومهينة تبعث على الإحباط واليأس الكامل من عالمنا العربي ككل. خصوصا في ظل النزاهة الكبيرة التي تمتع بها التقرير، والدعم المقدم من المنظمات الحقوقية والأصوات الشريفة الغربية.

يأتي قرار التأجيل ليكشف عن لا معقولية الواقع السياسي العربي الراهن. فمازال البعض حتى الآن يثق بإسرائيل وأميركا رغم كل ممارساتهما السيئة والبغيضة ضد دول المنطقة. بل وتصل المسألة إلى الرغبة في تخفيف الضغوط على إسرائيل والعمل على عدم تعرضها لأية ضغوط دولية حتى يمكنها أن تعمل بذهن صاف وهدوء من أجل عملية السلام. عن أي سلام يتحدثون، لا أحد يدري.

وتبدو المعادلة مقلوبة تماما؛ فمن يحتاج التخفيف عنهم هم الفلسطينيون في غزة، ومن يحتاج إلى المبادرات الدولية والعربية الشاملة من أجل إعادة الحياة الإنسانية إليهم هم أهل غزة، وليس إسرائيل، بينما نفكر نحن ليل نهار بالتقرب الخانع من إدارة أوباما من أجل الترفيه عن إسرائيل ومد يد العون لها، والتخفيف المطلق عنها.

تبدو الثقة المفرطة من جانب العرب في أميركا أقرب إلى الحالة المرضية التي تحتاج لعلاج يختص به علماء النفس السياسيون، فالتوحد الهائل بإسرائيل وأميركا، والرغبة المرضية في إرضائهما لا مثيل لها في أي منطقة أخرى من العالم. فالدول العربية تقبل بالصراع فيما بينها ولا تتحرج بمضايقة بعضها البعض، بل ويصل الامر ببعضها إلى التدخل المباشر في شؤون الدول الأخرى، لكن حينما يتعلق الأمر بإسرائيل يلتزم الكل داره ولا يدلي بكلمة واحدة؛ فإسرائيل منطقة محرمة للبعض ومقدسة للبعض الآخر.

اللافت للنظر أن بعض الدول الكبرى في المنطقة التي سارعت بإدانة حزب الله في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على لبنان لم تتورع عن توجيه اللوم إليه، وهي القوى نفسها التي لم تحرك ساكنا في أعقاب الهجوم الإسرائيلي البربري الهمجي على غزة، الذي أدانه تقرير جولدستون، لم تحاول من قريب أو بعيد أن تدين إرجاء التصويت على التقرير، ولم تحاول أن تتدخل لإقناع السلطة الفلسطينية بضرورة وأهمية التصويت على القرار، ناهيك عن انتقاد الضغوط الأميركية التي مارستها الإدارة الأميركية من أجل إرجاء التصويت.

بل إن إعلام هذه الدول الذي يصول ويجول في كافة أرجاء المنطقة تعامل مع الخبر وكأنه من الأخبار العادية غير المؤثرة، فهذا شأن فلسطيني إسرائيلي بعيدا عن أية فضاءات عربية أو إسلامية أخرى.

المسألة ببساطة أن هناك جهات عربية يمكن توجيه اللوم لها بسهولة، أما إسرائيل فمن الضروري العمل على إرضائها؛ ففي إرضائها إرضاء للسيد القابع في البيت الأبيض، وكسبا لوده. وكما صرح حديثا أحد المسؤولين العرب الكبار أن العلاقات بين بلده وبين أميركا علاقات تحقق مصالح الطرفين في الماضي والحاضر والمستقبل، والغريب أن هذا المسؤول لم يتحدث عن أهمية العلاقات العربية العربية، ولم يتحدث عن دورها في مواجهة أميركا والحد من الطغيان والهيمنة الإسرائيلية التي سوف تصل لبلده إن آجلا أو عاجلا.

لم تعد هناك أية معقولية في الخطاب السياسي العربي الراهن، فهو خطاب ينقل التافه إلى سياق المعقول، من خلال عملية تشويه هائلة يقوم بها ويروج لها الإعلام العربي المعاصر وترسانته الهابطة لعقول الجماهير والأجيال القادمة.

وهذا الخطاب تحكمه فقط مصالح إسرائيل وتوسعها في المنطقة. فالحديث عن السلام وهو حديث سخيف بإطلاق وكلام فاضي وتافه يُقدم على أنه كلام معقول. فهل يقبل عقل تأجيل اتهام إسرائيل بذريعة منحها فرصة من أجل التفكير في عملية السلام؟

وهل يُعقل أن نتناسى أرواح الشهداء أطفالا وشيوخا نساء ورجالا من أجل أوهام تتعلق بإسرائيل، الدولة الأكثر همجية وعنصرية في التاريخ الحديث؟ وهل ما زلنا نثق في أوباما الذي تستحل طائراته ليل نهار المدنيين العزل في أفغانستان وباكستان والصومال؟ وهل نثق في إدارته التي مارست ضغوطها الهائلة من أجل تأجيل التصويت على تقرير جولدستون، ولوحت بمالها السياسي الذي لا يصل أي شيء منه للجوعى والمحرومين في غزة؟

يمكن للمرء أن يتفهم حالة الضعف العربي الراهنة، ويتفهم سيادة عقلية الانكسار والخنوع الفاسد، كما يتقبل نفسية التوحد بالمتسلط والرغبة في إرضائه، لكن حينما يمد البعض من الغربيين يد العون لنا، ويقدمون تقريرا جيدا إلى حد كبير من أجل إدانة إسرائيل والزج بها أمام محكمة العدل الدولية، ونرفض نحن ذلك، فبالتأكيد يعني ذلك أننا وصلنا إلى حالة ميئوس منها تحتاج إلى انتظار أجيال جديدة ومجتمعات غير تلك التي نعيش فيها. وحتى يحدث ذلك يصبح أي كلام فاضي معقول على حد قول أحد البرامج الكوميدية التي تقذفنا بها القنوات الفضائية العربية.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com