«لقد ارتكب الأميركيون أخطاء في العراق».. كم مرة سمعتم هذه العبارة؟.. مئات المرات أو آلاف المرات منذ العام 2003. ماذا عن أفغانستان؟ الشيء نفسه، ارتكبوا أخطاء كثيرة وسيواصلون ارتكاب الأخطاء. لماذا؟

لقد تم شن الحرب تحت الوقع الطنان لل«الحرب على الإرهاب»، لكن التاريخ يعلمنا دوما انك إذا أردت احتلال بلد يتعين أن يكون لديك برنامج طويل المدى لإقناع شعب ذلك البلد بان الاحتلال قد يكون الخيار الأفضل من الحكومة التي أسقطتها وإلا فانك ستواجه بالرفض والمقاومة. هل لمستم لدى الأميركيين شيئا من هذا؟

الآن تبدو أفغانستان خطيرة مع تزايد قوة حركة «طالبان»، وعاد البعض ليتذكر أن هذا البلد استعصى على جيش الإمبراطورية البريطانية الذي أرسل إلى أفغانستان في القرن التاسع عشر ولم يعد منه سوى أفراد على أصابع اليد. كما أن الروس هزموا في أفغانستان. عادوا الآن ليتذكروا أن أفغانستان بلد عصي على الاحتلال الأجنبي وان الأفغان شعب عصي على الإخضاع.

لماذا يفشل الأميركيون في العراق وفي أفغانستان؟منذ أن أطلق قائد القوات الأميركية في أفغانستان الجنرال ستانلي ماكريستال نداؤه لزيادة عدد القوات الأميركية في أفغانستان خشية الهزيمة، نشطت ما يمكن أن نطلق عليه عملية فهم العدو. الآن فقط جاء وقت محاولة فهم «العدو».. لماذا يقاتلون؟

تلتقط مجلة «نيوزويك» هذه الرغبة المحمومة لفهم سر اندفاع الأفغان للقتال مجددا تحت راية «طالبان» وتفرد صفحات من عددها لهذا الأسبوع (الثلاثاء 6 أكتوبر 2009) لأحاديث مع أفغان عادوا للقتال مع حركة طالبان.

في تقديمها لهذه الأحاديث تقول نيوزويك: «.. لكن بعد ثماني سنوات طويلة من الحرب في أفغانستان، ليس مقبولا ألا تفهم أميركا وحلفاؤها من هو العدو ولماذا يقاتل».

ما الذي كان يجري طيلة ثمان سنوات إذا؟ لقد حدث هذا في العراق أيضا، فلقد كان الأميركيون يتصرفون منذ البداية بتأثير وهم لا يعلم احد من زرعه في أذهانهم: «بمجرد إسقاط صدام سيصفق جميع العراقيين لهم». استغرق الأمر سنوات دامية وضحايا من كل نوع ومشاعر عداء متصاعدة كي يفهم الأميركيون أن عليهم محاولة فهم البلد والشعب الذي قاموا باحتلاله.. تحدثوا إلى البعض ممن كان يقاومهم فظهر ما أطلق عليه «الصحوات» التي قاتلت تنظيم القاعدة.

لكن هؤلاء قبلوا العمل مع الأميركيين بعد أن اختبروا جيدا تصرفات وأخطاء جماعة القاعدة أيضا، وبدا أن هناك حقيقة واحدة مشتركة هي أن الأخطاء في كلا الجانبين (الأميركيين والقاعدة) تدفع الناس للتوقف والتفكير والمفاضلة وأخيرا اتخاذ قرار حول الخيار الذي يرون انه صواب.

الآن سيجربون الأمر نفسه في أفغانستان، والخطة التي قدمها الجنرال ماكريستال تنطوي على حزمة التدابير نفسها التي تم تطبيقها في العراق، تذكروا فقط أن تلك التدابير في العراق كانت من وضع ماكريستال نفسه عندما كان يعمل في العراق.

لكن لماذا يبدو الأمر دوما وكأن الأميركيين يكتفون بشراء الولاءات عوضا عن محاولة فهم التفاصيل الدقيقة للمجتمعات المحلية والإحاطة بحساسياتها التاريخية والثقافية؟ اعني أي مفاهيم تبسيطية وساذجة تلك التي كانت تحركهم قبل أن تدفعهم الكوارث للتفكير ومحاولة الفهم؟ يراكمون الخطأ تلو الآخر بمعاندة ومكابرة قبل أن تدفعهم إخفاقاتهم وخسائرهم وتصاعد مشاعر العداء لهم للتفكير في محاولة الفهم؟

التدابير الجديدة التي تدرسها الإدارة الأميركية للتصرف في أفغانستان ستنعش سوق الوظائف في وكالة المخابرات المركزية «سي آي ايه» وفق ما يراه روبرت هاديك في مقاله في مجلة «فورن بوليسي ؟ ئذ» لهذا الشهر والمعنون «أرسلوا الجواسيس إلى هناك». فهو يرى انه طالما أن الهدف الأساسي في أفغانستان سيبقى حسب مسؤولي إدارة اوباما «تفكيك وتدمير تنظيم القاعدة» فان التدابير الجديدة التي أوصى بها الجنرال ماكريستال تتضمن أيضا تعزيز النشاط الاستخباري لل«سي آي أيه» في أفغانستان: مزيد من العملاء والمحللين ومزيد من التجنيد. يقدر هاديك إن عدد عملاء الوكالة في أفغانستان سيرتفع إلى نحو 700 عنصر هناك.

ماذا سيفعل هؤلاء الذين لا يستطيع الواحد منهم أن يدير محادثة مع أي شخص في أي بلد في العالم دون أن يكشف عن نفسه بأنه أجنبي أو أميركي؟ ماذا سيفعلون في بلد مثل أفغانستان غير شراء الولاءات؟

في العراق وفي أفغانستان، اخفق الأميركيون في فهم الشعور الوطني القوي لدى شعبي هذين البلدين. إن الاستياء والرغبة في التخلص من الدكتاتورية (العراق) ومن حكم قرن أوسطي (أفغانستان) سيبقى أمرا معزول الصلة تماما عن الترحيب والتعاون مع محتل أجنبي. لم يثبت هذا لا في العراق ولا في أفغانستان مهما برع الساسة المحليون في إظهار محاسن الضرورات المرحلية للتعاون مع المحتل، الخلل الأصلي هنا في الاحتلال الذي سيمثل استمراره عاملا لتصاعد مشاعر العداء تجاه الأميركيين لدى الشريحة الأعظم من السكان.

مشكلتهم الأخرى، هي أنهم يكثرون من الأخطاء في التعامل مع السكان لأنهم لا يفهمونهم إطلاقا، بل جاؤوا محملين ببعض المفاهيم التبسيطية والساذجة حول دور رسالي باعتبارهم «رسل الديمقراطية» والحداثة.

كل ردود الأفعال غير السوية من الجنود الأميركيين على الأرض سواء في العراق أو في أفغانستان تمثل هذا الصراع الذي يدور داخل كل جندي أميركي بين هذا المفهوم الساذج لدور المخلص والضحايا الناكرة للجميل. الآن يحاولون فهم أعدائهم، لكن التجربة تقول أن محاولة الفهم التي تأتي تحت وطأة الكارثة لا تثمر لأنها تتم بدافع قسري يؤثر في خياراتها وصوابيتها.. حسنا لنرى كيف سيجري الأمر.

كاتب وصحافي بحريني

mfadhel@batelco.com.