في محطة «ديفز» على الخط الأحمر، وهو واحد من أربعة خطوط يتكون منها مترو مدينة بوسطن الأميركية، وقف شخص أميركي أبيض وزوجه لا يعرفان كيف يتصرفا وهما يريدان الدخول إلى سكة المترو لتنقلهما إلى وجهتهما وهو مبنى «الكومونولث» أول مبنى حكومي للدولة «الأميركية الفتية» التي نشأت في العام 1776 حيث أصبح هذا المبنى معلماً تاريخياً ما زال مستخدماً من قبل مصلحة البريد الأميركية!!
بادرت بمساعدتهما بشهامة الرجل العربي، بعد أن أصبحت «حريفاً» في استخدام مترو بوسطن ومحطاته الكثيرة وأشهرها «هارفارد» نسبة إلى تلك الجامعة العظيمة التي تحمل اسمها والتي تقع في قلبها. وقد أسر إلى الرجل بأنه من كاليفورنيا، حيث لا وجود لخدمة المترو هناك.
تذكرت هذه الحكاية وأنا أدخل محطة المركز المالي لأجرب مترو دبي، ثاني مترو في المدن العربية بعد مترو القاهرة الذي شيد قبل أكثر من عقد. المحطة بدت أنيقة وسلالمها المتحركة تعمل بسلاسة، ولتجربتي الأولى لم أشأ أن «أتورط» مع جهاز شراء «بطاقات نول الآلي» بل فضلت الذهاب إلى إحدى الموظفات لشراء تلك البطاقة حيث ابتعت واحدة بلون فضي بعشرين درهماً (أربعة دراهم للبطاقة القابلة للتجديد طوال سنة كاملة والباقي كأجر مقابل استخدام المترو).
ثم توجهت إلى حارة المترو، حيث دلني رجال الأمن، وهم من الشباب الإماراتي قاصدا الوصول آخر محطة باتجاه المدينة وهي محطة الراشدية، التي تلي محطة المطار ( المسار الثالث المخصص للإماراتية).
مقصورات المترو بدت جميلة وأنيقة ونظيفة وألوانها «فراحية» من تلك المحببة إلى نفسي، والتي تدخل البهجة والسرور في نفوس راكبيها كالفستقي والأزرق الخفيف المائل إلى التركواز وغيرهما. وبما أنه كان الوقت وقت «ذروة» وخروج الموظفين من أعمالهم، فقد رأيت الكثير من الموظفين الأجانب (غربيين وغيرهم) وقد حملوا أوراقهم يواصلون انجاز ما تبقى من أعمالهم والمترو ينقلهم إلى وجهتهم.
ولم أكتف بتجربة واحدة، ففي اليوم التالي وكان يوم عطلة (يوم الجمعة الفائت) استقلت المترو ذاهباً في الاتجاه المعاكس، أي صوب جبل علي عصراً. وخوفاً من الغرامة أو ربما الفضيحة، فقد سألت الموظفة المسؤولة إن كانت بطاقتي بها ما يكفي من الرصيد لإيصالي إلى آخر محطة وهي على ما أظن «بحيرات جميرا» فردت بالإيجاب.
وأثناء سير المترو وكان ممتلئاً بالركاب، كنت أختلس النظرات للركاب لأعرف من يكونوا فأبصرت الكثير منهم من المواطنين ومن السياح الخليجيين، الذين أصبح مترو دبي بالنسبة لهم معلماً لا بد من زيارته. وما أثلج صدري وجود الأطفال الفرحين بما كانوا يرونه من مناظر بالذات منظر السيارات المنطلقة على شارع الشيخ زايد وكأنها في سباق مع المترو!! نزل الكثيرون في محطة «مول الإمارات» ويبدو أن المترو سيصبح وسيلة الكثيرين وبالذات المواطنين والسياح الخليجيين إلى التسوق المريح والتنقل بين أسواق دبي الكبيرة ك«دبي مول» و«ستي سنتر» وفي المستقبل إلى «فستفال ستي». وعند محطة «بحيرات الجميرة» أُمر الجميع بالنزول، فنزلت وأخذت المترو عائداً من حيث أتيت.
وعند خروجي من محطة المركز المالي وجدت أنه مازال في رصيدي «درهم وكسور» مما يعني أن رحلتي ذهاباً وإياباً لكل واحدة (أربع رحلات) لم تكلفا (أو تكلف كيفما حسبتها) سوى ثلاثة عشر درهماً، وهو مبلغ لا يقارن في ضآلته ذلك الذي كنت سأدفعه لو أنني ركبت سيارة أجرة، هذا عدا عن التأخير الذي كنت سأكابده في تلك الرحلات الطويلة جراء الزحام والتوقف عند إشارات المرور.
وهنا بيت القصيد، فالمترو وغيرها من وسائط النقل العامة لم تطرح إلا لأنها تقدم بديلاً للسيارة الخاصة التي بات استخدامها في وسط المدن الكبيرة، ودبي منها، أمراً صعباً، ناهيك عن آثارها الأخرى وعلى وجه الخصوص ما تنفث عوادمها من غازات سامة كثاني أكسيد الكربون، المسبب الرئيسي للاحتباس الحراري. وحسناً فعلت دبي حينما اتخذت قراراً جريئاً بتبني النقل الجماعي كخيار متاح للقاطنين فيها أو لزوارها، وبدأت بتسيير الخط الأحمر الذي يمر في أهم مناطقها التجارية والسياحية لتستتبعه بخط أخضر يغطي باقي المناطق ذات الكثافة السكانية والتجارية الكبيرة.
ومن يعرف دبي (كما يعرفها كاتب هذه السطور) يلحظ أنها لم تغفل باقي وسائط النقل العامة كالحافلات التي تغطي كل مناطقها وأسعارها في متناول الجميع بحيث أن الراكب يستطيع الوصول من وسط المدينة إلى أطرافها بدرهمين فقط، وبحافلة نظيفة ومكيفة. هذا عدا عن التنقل عبر «الخور» بضفتيه، حيث قوارب هيئة الطرق والمواصلات تقطع الخور بمواعيد محددة تذكرك في انضباطها بأرقي المدن الأوروبية.
نقول مبروك لدبي ونحن بانتظار اكتمال هذا المشروع التنموي الاستراتيجي الحضاري الذي سيسهل الانتقال بين ربوع هذه المدينة العصرية الجميلة.
كاتب كويتي
