أولى مراحل الحرب في الجنوب تمثلت في تمرد عسكري قام به عسكريون جنوبيون سرعان ما تحول إلى ارتكاب مجزرة بشرية ضد الشماليين المقيمين في بعض مدن الجنوب راح ضحيتها من الرجال والنساء والأطفال ما يحسب بالمئات. كان ذلك في عام 1955م.
وبعد بضع سنوات حلت المرحلة الثانية حين أنشئت منظمة قتالية جنوبية باسم «أنيانيا» شنت حرب عصابات في الاقليم الاستوائي في الجنوب على مدى عشرة أعوام تقريبا.
وانتهت هذه المرحلة باتفاق سلام خلال عهد الرئيس نميري في عام 1972 أقيم بموجبها نظام حكم ذاتي للجنوب. لكن بعد مضي 11 عاما اختل الوضع في الجنوب سياسيا بسبب حركة تذمر في معظم القبائل ضد قبيلة الدنيكا لاستئثارها بسلطة الحكم الذاتي مما اضطر الرئيس نميري إلى اتخاذ إجراء لتحجيم النفوذ الدنيكاوي على السلطة استجابة منه لمطلب غالبية القبائل. هنا تجددت الحرب في مرحلتها الثالثة على أيدي «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة شخصية عسكرية دنيكاوية باسم العقيد جون قرنق كرد فعل على الإجراء الذي اتخذ ضد الهيمنة الدنيكاوية.
هكذا يفيدنا التاريخ القريب المسجل بأن الجنوب كان على الدوام الطرف الذي يبتدر العدوان وبالتالي كان الشمال في كافة الأحوال في موقف دفاع عن النفس.
الآن تريد الحركة الجنوبية تزوير التاريخ مستغلة تهافت قادة الأحزاب الشمالية على صعيد المعارضة.
ومما يثير العجب أن القيادات الشمالية هذه لا تبدي أي احتجاج على الحركة الجنوبية عندما تدير قيادة الحركة ظهرها لهم انطلاقا من مصلحتها الذاتية. فعلى عهد التجمع الوطني المعارض تجاهلت قيادة الحركة رفاقها الشماليين تماما فدخلت في اتصالات سرية مع سلطة نظام الانقاذ هي التي وحدت للعملية التفاوضية التي انتهت إلى إبرام اتفاق نيفاشا للسلام بل ان الحركة رفضت مشاركة حلفائها الشماليين في التفاوض.
وهنا نقع على مصادفة غريبة. فعند إعلان اتفاقية نيفاشا سارعت القيادات الشمالية إلى رفضها لأنها حصرت قسمة السلطة المركزية في طرفي الاتفاقية فقط. والآن وفي إعلان مؤتمر جوبا نجد القيادات الشمالية متوافقة تماما مع الحركة الجنوبية في »التأكيد على ضرورة الإنقاذ الكامل لاتفاقية السلام الشامل باعتباره مطلبا أساسيا لاستدامة السلام». صفوة القول إن مؤتمر جوبا أثبت أولا أن القيادات الحزبية الشمالية لم تتعلم من درس الماضي القريب في التعامل مع الحركة الجنوبية.. وثانيا انها لا تدرك حقيقة أن الشمال شمال والجنوب جنوب.