مشروع تهويد القدس بالكامل، دخل مرحلته المكشوفة. ما كانت تقوم به إسرائيل بالتحايل والتمويه، صارت تنوي ممارسته على المفضوح. طور جديد من محاولتها لابتلاع المدينة ومقدساتها. نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي، سيلفان شالوم، يعلن صراحة بأن «المعركة بدأت لفرض السيادة على القدس، خصوصاً جبل الهيكل».

كلام لا يحتاج إلى تفسير أو تأويل. حكومة نتانياهو ترى أن اللحظة باتت سانحة للانقضاض على المدينة القديمة والمسجد الأقصى. خنقت إسرائيل القدس الشرقية بجبال وزنانير المستوطنات. قضمت مساحات داخلها، عن طريق هدم منازل الفلسطينيين ومصادرة ممتلكات وفتح أنفاق وطرقات. زحف منظم، وصل في الأيام الأخيرة إلى حدّ تكرار محاولات المتطرفين اقتحام المسجد الأقصى.

قوات الاحتلال وفّرت لهم الحماية، عملت على إخلاء الحرم بالقوة من المرابطين فيه. تواصل استفزازاتها وافتعال مواجهات تثير ردود فعل؛ تبرر لها تشديد قبضتها الحديدية على المدينة؛ وبما يسهّل الاقتحامات والتعديات على البشر والحجر وأماكن العبادة. هي بداية المعركة، التي أعلن عنها شالوم بدون لبس. وإذا كان الأمر كذلك فإنه بات من المطلوب، في المقابل، أن تبدأ معركة التصدّي لهذه الهجمة. طبعاً أكثر من جهة وطرف، عربي ودولي، مسؤولة عن دور في هذه المواجهة.

إلاّ أن الدور الأول والأهم، يبقى على عاتق الساحة الفلسطينية. ليس لأنها الأولى فحسب، بل أيضاً لأن وضعها الراهن، وفي هذه اللحظة بالذات، ساهم في رفع قابلية الافتراس، لدى حكومة الكواسر الإسرائيلية.

المدخل للنهوض بهذا الدور، لا تخطئه العين: ترتيب ولملمة البيت الفلسطيني، بأسرع ما يمكن وبالحدّ الأدنى على الأقل. الخلل الكبير في تماسكه، سمح بكشف ذئب الاحتلال عن أنيابه.

المؤسف، بل الذي يستعصي على الفهم؛ هو أنه في كل مرة تظهر هذه الأنياب أكثر وتبدي المزيد من الشراسة؛ يزيد تسربل الوضع الفلسطيني بمشاكله وصراعاته. والعكس صحيح. وكأنه لم يكن يكفيه الانقسام، الذي باتت سيرته كحكاية إبريق الزيت التي لا نهاية لها؛ حتى جاءت قضية تقرير غولدستون وملابساته، لتزيد الأمور تعقيداً. معه، لم تتجدّد الخلافات وتأخذ شحنة جديدة من التصعيد فحسب؛ بل جاء ليهدّد مشروع المصالحة الوطنية، الذي كان بدا وكأنه صار جاهزاً للتوقيع.

الوضع الفلسطيني، الواقع الآن بين مطرقة نزفه الداخلي وبين سندان الانقضاض الإسرائيلي؛ لم يبق له سوى العودة إلى وحدته الوطنية. استرجاعها، ما عاد مطلباً فقط. بات حتمية، واجبة الوجوب. كل الملفات الأخرى تبقى في المرتبة الثانية. فاللحظة ليست لتصفية الحسابات. كما ليست لمواصلة المكابرة. حان الوقت لكي يستجمع الصف قواه ويعود إلى باب وحدته الوطنية.