تحتفل جمهورية مصر العربية والجمهورية العربية السورية بوجه خاص، ومختلف الدول العربية بوجه عام هذه الأيام بالذكرى السادسة والثلاثين لحرب أكتوبر المجيدة، اعتزازاً وتخليداً لأكثر الحروب العربية قيمة ودلالة وتأثيرا على التطورات التي عاشتها وتعيشها منطقة الشرق الأوسط على امتداد العقود الستة الماضية.

ومع الاعتزاز بكل الحروب والمواجهات التي اثبت فيها الجندي والمقاتل العربي قدرته على التصدي للآلة العسكرية الإسرائيلية، بما في ذلك مواجهات المقاومة الفلسطينية واللبنانية، إلا أن حرب السادس من أكتوبر عام 1973 تظل الحرب العربية الأساسية والمحورية التي كسرت بشكل فعلي وملموس الغطرسة الإسرائيلية، ودفعت اسرائيل إلى اعادة النظر في خططها واستراتيجيتها العسكرية.

ومع الوضع في الاعتبار مجمل الظروف والتطورات التي سبقت حرب السادس من اكتوبر المجيدة، والأجواء التي خلفها العدوان الإسرائيلي في يونيو 1967 بالنسبة لكل العرب وعلى امتداد المنطقة، وحتى في نظرة الدول والشعوب الأخرى للعرب، فإنه يمكن القول إن حرب اكتوير، بما تميزت به من تخطيط عسكري رفيع المستوى، يتسم بالدقة والشمول ووضوح الهدف ايضا، وبما تميزت به كذلك من قدرة عربية كبيرة وملموسة لحشد الطاقات العربية.

بما فيها الطاقات الاقتصادية والنفطية والعسكرية – او بعضها على الأقل – تحتاج الى كثير من التوقف امامها ودراستها دراسة منهجية وعلمية للاستفادة من دروسها ، ليس فقط على مستوى الإعداد والتحضير العسكري والسياسي والمدني قبلها، وعلى مستوى التنفيذ والأداء القتالي خلالها، ولكن ايضا على مستوى بناء التضامن العربي الذي ساهم بشكل فعال في تأمين جانب غير قليل من عناصر الدعم والمساندة لكل من مصر وسوريا في جهودهما قبيل وأثناء وبعد العمليات، وعلى كافة المستويات في الواقع.

وإذا كانت حرب السادس من أكتوبر 1973 قد استعادت وأكدت الثقة في كفاءة المخطط والمقاتل والقائد العربي، خاصة بعد النجاح الباهر في عبور اكبر مانع مائي، وتحطيم خط بارليف الذي استبعدت كل الآراء العسكرية في الغرب والشرق إمكانية تدميره بالطرق التقليدية.

وهو ما حدث بقدر من الخسائر اقل مما كان متوقعاً ومقدراً له، فإن هذه الحرب اثبتت على نحو واضح وقاطع قدرة الدول العربية على العمل وحشد الطاقات عندما تدرك وتتيقن من اهمية وقيمة ذلك لمصالحها الفردية والجماعية ايضا. والآن وبعد اكثر من جيل على حرب اكتوبر فإننا على الصعيد العربي احوج ما نكون إلى استعادة روح حرب اكتوبر مرة اخرى، خاصة على الصعيد العربي .

ففي ظل الظروف الراهنة، وفي ظل ما تتعرض له القضية الفلسطينية من مخاطر من ناحية، وما تواصله اسرائيل من سياسات تنتهك بها كل الأعراف والقوانين الدولية وما ترتكبه من جرائم حرب في قطاع غزة من ناحية ثانية، فإننا في حاجة إلى استعادة التضامن والتماسك والتساند العربي بروح أكتوبر حتى يمكن بناء وتمتين الموقف العربي من اجل محاولة دفع عملية السلام التي يحاول الرئيس الأمريكي باراك أوباما تحريكها مرة اخرى.

خاصة وأن اسرائيل وحكومتها الحالية لن تستجيب لأية جهود ما لم تشعر بقوة ومساندة الموقف العربي للمطالب والحقوق المشروعة للفلسطينيين، بما في ذلك حقهم في اقامة الدولة المستقلة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. فهل نتمكن الآن وبعد 36 عاما من حرب أكتوبر استعادة تلك الروح التي افتقدناها كثيرا ؟