في ليلة السابع من أكتوبر من عام 1990 وبينما كنت أتابع أخبار الساعة العاشرة مساء بالتوقيت المحلي للندن ورد خبر وفاة الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم طيب الله ثراه، وورد الخبر بتعزية الملكة اليزابيث ملكة بريطانيا وأسفها على رحيل أحد أقرب أصدقاء بريطانيا الشيخ راشد الذي كان يتمتع بمكانة عالية وسمعة طيبة لدى بريطانيا، بعد هذا الخبر سادت لحظات صمت امتزجت بدموع الحزن على فراق أحد مؤسسي الإمارات، والذي أعطى الكثير لبلده، هذه اللحظات الحزينة مرت علينا وعلى العرب جميعاً في بريطانيا وحيثما كنت أتردد على أماكن في لندن كنت أتلقى التعازي والأسف على فراقه، كانت لحظات قاسية بقيت في ذهني حتى الآن ولن أنساها، وهذا المصاب سوف يجعلنا أكثر تماسكاً تحت قيادة آل مكتوم الكرام.
شخصية الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم لم تكن عادية بل كانت لديه، رحمة الله، عليه شخصية قيادية منذ نشأته ولديه نظرة مستقبلية لتطوير دبي والاستفادة من الإمكانيات المتاحة في ظل الظروف السائدة في تلك الفترة من الأربعينات وحتى السبعينات من القرن الماضي، ومع هذا حاول استغلال ما كان متوفراً واستعان ببعض المساعدات الخارجية واستقدام الخبراء .
ولكنه كان الخبير والمفكر الفذ الذي أصر على رأيه في تنفيذ بعض المشاريع التي خالف فيها البعض من المقربين كتحسين خور دبي وإقامة مدينة مثالية بحرية ستصبح أهم المعالم لدبي في المستقبل، هذا الإصرار جلب الكثير لدبي ومازالت تحصد نتائجه، عندما وافت المنية الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم رحمة الله عليه في العاشر من سبتمبر 1958 وتم تنصيب الشيخ راشد حاكماً لإمارة دبي في الرابع من أكتوبر 1958 نهج طريق والده في الحكمة والإرادة والعزيمة والانفتاح واستكمال ما بدأه والده بعقلية الديمقراطي وصاحب مبدأ الشورى بأخذ رأي شعبه في تسيير أمور الإمارة وحصافة وذكاء التاجر الذي قاد قصة نجاح دبي وخلق لها المناخ الملائم ووفر الوسائل وسهل الإجراءات للقطاع التجاري والصناعي والحكومي مع غياب الروتين القاتل لبيئة العمل اذ رفع شعار ( عمل جاد وسهر متواصل وإحساس متفائل مع أماني الشعب وآماله مع مستقبل زاهر) امتلك رحمه الله عقلية اقتصادية في وقت كان فيه الخليج العربي في مراحل تطوره الأولى جعلته حريصا على تطوير دبي منذ توليه ولاية العهد قبل 20 عاما من تنصيبه حاكما فكان ذا شخصية قوية لديها روح المبادرة.
ولم ينتظر الفرصة بل سعى اليها عبر إقامة علاقات وثيقة مع الجاليات الأجنبية المقيمة في دبي وأعطاها الفرصة للبدء في مشروعات تجارية أعطته مجالاً للاحتكاك والتعلم وأخذ ما يناسب العادات والتقاليد العربية الأصيلة، وكانت ابرز صفاته رحمه الله الصمت والتواضع والاستماع إلى آراء الآخرين قبل إبداء رأيه،ولم يكن يحب المجاملة بل قول الصدق ويرفض الظلم.
وكان ذا شخصية دبلوماسية وذا حنكة سياسية وعقلية تجارية تجلت في حكمه وافتتاحه لمطار دبي وإنشائه لبلدية دبي وبنك دبي الوطني، كذلك حكمته في التواصل مع حكام الإمارات الأخرى مع المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لتأسيس اتحاد الإمارات في أواخر الستينات، هذه البصمة أكسبته المزيد من الإصرار بعد تأسيس مجلس الوزراء بقيادته والسعي إلى إرساء دعائم الاتحاد عمليا في كافة أراضي الدولة وتأسيس علاقات وصداقات مع كافة دول العالم.
تلك الانجازات لم تكن بالسهلة ولكن بالإصرار والعزيمة والتحدي للنهوض بالإمارات عامة ودبي خاصة.
الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله من الشخصيات ذات الرؤية المستقبلية البعيدة والثاقبة ومن العظماء الذين خلدهم التاريخ بأفعالهم ودورهم البارز عالمياً، ووضع دبي على أول السلم للوصول بها إلى ما تعيشه الآن من أزهى عصورها في ظل قيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي الذي استطاع ان يكمل المسيرة بعد رحيل أخيه المرحوم الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم ولتبقى دبي نموذجاً شاهداً على كل الصعاب.
تحولت دبي من بلد يعتمد على التجارة إلى مركز يساهم في الصناعات العالمية المتطورة ويسهل السبل أمام هذه الصناعات لتمضي قدما في خدمة الانسانية ومجالات الحياة المختلفة،حقاً أن الشيخ راشد رحمه الله كان من نعم الله سبحانه وتعالى على دولتنا ومهما عددنا انجازاته فلن نوفيه لان المتابع لسيرته يجد اكتشافات جديدة تعجز الكلمات والحروف عن إدراكها. ودون تكاسل أو ملل كان رحمه الله يتنقل يوميا عندما كان شاباً ليتابع أحوال البلاد والعباد على صهوة جواده (الصقلاوي) ثم بعد دخول المواصلات استخدم سيارته المرسيدس الشهيرة.
نقول له الآن «نم قرير العين يا أبونا راشد فابنك محمد مازال على نهجك ويتابع أحوال الرعية ويتحف العالم بإنجازات تفخر بها»، وها هو الانجاز الحضاري الكبير مترو دبي الذي يقول للعالم إن ما بدأه راشد سيكمله محمد وتبقى دبي عامرة.
كاتبة إماراتية