يكثر الحديث أحيانا عن نهوض الدول الآسيوية التي باتت تشكل مركز العالم في الزمن المقبل. فالنموذج الماليزي والاندونيسي المسلم والنماذج البوذية والكونفوشية والهندوسية الأخرى في الجنوب والشرق الآسيوي هي نماذج نجاح، ليس بالنسبة لنا نحن في المنطقة العربية وإنما هي كذلك، بالنسبة للعالم المتطور في غرب أوروبا وكندا والولايات المتحدة الأميركية.
بل إن الأوربيين والأميركيين باتوا يتحدثون عن تحول جديد في مركز العالم ينتقل فيه الثقل إلى الصين والهند وشرق آسيا في العقد أو العقدين القادمين.وهي نماذج قد نهضت ليس كما نراها نحن في معطاها الاقتصادي فحسب وإنما هي نماذج قد حققت النجاح بفعل ذلك النهوض المهم على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي، وهي معطيات لا أعتقد أن دونها كان بالإمكان أن تحقق هذا النجاح في النهوض.
فالنموذج الاندونيسي قد تلكأ نهوضه ليس بفعل كما يعتقد البعض إسلامية المجتمع أو تعدديته الأثنية وإنما هي كذلك بفعل تلكؤ تطور الدولة وتحولها نحو الشكل الحديث والمعاصر للدولة الديمقراطية.
فالأوتوقراطية التي تميز بها نظام حكم الجنرال سوهارتو وممانعته للتحديث والتحول كان سببا في التلكؤ والسقوط. ولربما قد يكون تحول النظام الكوري الجنوبي من كونه نظاما أوتوقراطيا يحكمه العسكر إلى نظام تحكمه الأصوات في صناديق الاقتراع سببا في استقراره السياسي وفي قدرته على تحقيق مزيد من النهوض الاقتصادي.
صديق آسيوي أفصح إلي في زيارتي الأخيرة لآسيا بقوله «لقد حققت ماليزيا وسنغافورا في سنين ما لم يحققه العرب في عقود، لقد كنا نحن الآسيويين وتحديدا المسلمين ننظر لكم في عقدي الخمسينات والستينات بقدر من الإعجاب والفخر إلا أن هذا الإعجاب والانفتاح عليكم وخصوصا في السنوات والعقود الأخيرة لم يجلب لنا إلا التطرف والشقاق. أنظر ماذا يجلب لنا من يذهب منا لتعلم الدراسات الشرعية في بلادكم، وأنظر ماذا ينقل لنا من يأتي منكم ليعلمنا الأصول الشرعية.
أن إسلامنا الآسيوي لم يكن يوما إسلاما متعصبا منغلقا عما حوله من ثقافات وأثنيات وأديان غير إسلامية. ان إسلامنا الماليزي والاندونيسي والسنغافوري والصيني والهندي قد تشكل في إطار القبول بهذه التعددية الأثنية بكل تلاوينها العرقية والدينية. أنه إسلاما يقيم الفرائض ويقدس التعاليم الدينية إلا أنه ليس مدمرا للذات والآخر. أن الهندوسيين والبوذيين هم جزء أساسي من تشكيلنا الثقافي والاجتماعي والسياسي لا يمكن لفضائنا العام أن يستمر دون هذا التمازج والاختلاط والتعايش لهذه التشكيلات».
وقد أردف صديقنا الآسيوي قائلا بصوت يحمل قدرا ليس قليلا من المرارة: أنكم تصدرون لنا من أبنائكم من يرفض حالة التعايش التي هي عليها مجتمعاتنا وتعيدون تشكيل عقول أبنائنا المرسلين لكم ليدعوا من على المنابر وفي المدارس والجامعات لنبذ ورفض الحالة المجتمعية التي تشكلت عليها مجتمعاتنا لقرون.
وأضاف: أنني قد أتفهم أن يعتز المرء بدينه وعرقه إلا أنني لا افهم أن يكون الفرد ملبوسا بذلك بشكل مرض.أن الصينيين والهنود وغيرهم من شعوب شرق وجنوب آسيا قد يكونون أقرب لنا من المسلمين في بقاع الأرض الأخرى. أنا لا أنكر اننا نتعاطف مع قضاياكم كمسلمين وبشر ونحس بإحساساتكم إلا أننا لسنا من سياق ثوبكم الثقافي والاجتماعي الذي تريدون أن تُلبسوه لنا.
تأملت كلام صديقنا هذا فوجدت أن بناء الدولة والمجتمع في هذه المجتمعات لم يكن يوما أجندة متفرقة أو عملا يتُرك للعابثين والمغامرين أن يلعبوا أو يلهو بها. فبناء الدولة في هذه المجتمعات كان ركنا أساسيا من النهوض الاقتصادي كما أن بناء مجتمع المواطنة كان هو الركن الأساسي الآخر لهذا النهوض.
كما أن النسيج الاجتماعي لم يكن يوما في هذه المجتمعات موضوعا يلهى به من قبل المغامرين والطارئين من بعض الساسة والمُسيسين والاسلامويين من الأحزاب والفرق أو من قبل المهووسين بالنقاء العرقي أو الديني أو المذهبي أو الطائفي والذين باتت لهم في بعض من مجتمعاتنا الصدارة والمكانة والآذان المسموعة وبات عبثهم وغيثهم في المجتمع كبيرا كما بات تصدرهم المؤسسي وبالا على الدولة والمجتمع.
ولم تكن تجارب النهوض الاقتصادي والتحول الديمقراطي في آسيا الجديدة نماذج تستنسخ من محيط لم يشهد إلا الإخفاق ومن نماذج في محيط إقليمي لم يشهد أي نهوض على صعيد الدولة والاقتصاد والمجتمع.
كما انشغلنا أو انشغل بعضنا باستحضار التاريخ ونماذجه. بينما انشغلوا هم ببناء الدولة والاقتصاد والمجتمع على أسس حديثة عصرية، انشغلنا نحن أما باستنساخ تجارب في السياسة والاقتصاد والمجتمع من محيط لم يشهد في ذلك في حقبه القليلة السابقة إلا الإخفاق والفشل، أو بتنا مهووسين بإعادة إنتاج لنماذج تاريخية في الدولة والاقتصاد والمجتمع كانت ناجحة في إطارها الزمني المحدد قبل عشرات القرون إلا أننا أعدناها وألححنا في الدعوة لعودتها بل وتصارعت الفرق والجماعات حول أي منها الأنجع ولم نسجل بفعل كل ذلك إلا الإخفاق ولربما الخروج من العصر والتاريخ..
وقد غادرت منزل صديقنا الآسيوي مشحونا بهواجس وأفكار ورؤى ملأت عقلي طغت في ذلك على عشائه الدسم. وشعرت حينها أن بعدنا الجغرافي قد أنعكس في بعد زمني في الرؤية والفهم، وأدركت حينها فقط أننا قد نتشابه مع بعض النماذج الآسيوية في العقيدة الدينية إلا أننا بعيدون عنهم في الرؤى الزمانية بل وبعيدون عنهم في فهم الدين كفضاء للتسامح والتعايش وكقوة دافعة للنهوض وأدركت في نفسي بعد كل زيارة لهذه المنطقة كم التغيير الذي يحدث فيها وكم العبث ولربما الفشل الذي يحدث في منطقتنا العربية.
وأدركت حينها أن أمما في الشرق لم يكن لها في التاريخ هذه الأمجاد العريضة إلا أنها أمما قد استطاعت أن تصيغ الحاضر بالصورة التي يخدم فيها مجتمعاتها وأن تتصل بالمستقبل أكثر مما هي تكون مجذوبة للماضي بكل حروبه وصراعاته ونزعاته العصبوية. ولنا في هذا الدرس زيارة أخرى.
كاتب بحريني