إنه نسخة مستحدثة ـ لكن ليست منقحة ـ من «التجمع الوطني» المعارض الذي خرج إلى حيز الوجود في منتصف التسعينات ليدخل مرحلة تصدع واضمحلال تدريجي ابتداء من عام 2000م.

هذا هو «مؤتمر جوبا» لأحزاب المعارضة السودانية الذي اختتم الأسبوع الماضي بإصدار «إعلان جوبا للحوار والإجماع الوطني» والذي انعقد بمبادرة من قيادة «الحركة الشعبية» الجنوبية، وشارك فيه كبار قادة الأحزاب الشمالية مع اختلاف شكلي في التمثيل بالمقارنة مع عضوية التجمع الوطني. فقد تخلف عن المشاركة محمد عثمان الميرغني زعيم «الحزب الاتحادي الديمقراطي» بينما شارك حسن الترابي زعيم حزب «المؤتمر الشعبي».

عدا هذا الاختلاف التمثيلي الشكلي كان مؤتمر جوبا هو التجمع الوطني في صورة جديدة. وعلى هذا النحو كان التقاء للخداع المتبادل.. ترى فيه الأحزاب الشمالية التعويض عن ضعفها وعجزها بالاستقواء بالحركة الجنوبية، بينما ترى فيه الحركة وسيلة لممارسة الابتزاز السياسي ضد الشريك السلطوي الشمالي المتمثل في حزب «المؤتمر الوطني». ولأن الحركة الجنوبية تدرك منذ أيام «التجمع الوطني» ضعف قيادات المعارضة الشمالية فإن «إعلان جوبا» جاء في معظم بنوده ملبيا لمطالب ورؤى الحركة.

في مقدمة هذه البنود بند تحت عنوان «المصالحة الوطنية» يتضمن توصية بإنشاء «لجنة مستقلة للحقيقة والمصالحة» تكون مهمتها «تقصي الحقائق في التعديات والانتهاكات لحقوق الجماعة والأفراد منذ الاستقلال واتخاذ الإجراءات اللازمة لرد المظالم والحقوق سواء بالمحاسبة القانونية أو التعويض المادي والمعنوي مما يعين على التعافي والتسامح وإزالة المرارات من النفوس وإبراء الجراح».

بصمة الحركة الجنوبية على صياغة هذه التوصية لا تخفى عن أي متابع لتاريخ السودان القريب منذ إعلان الاستقلال الوطني قبل أكثر من نصف قرن. وبهذا المعنى فهي توصية نابعة من دوافع ثأرية جنوبية ضد الشمال. فالمقصود هو إجراء محاكمات سياسية لإدانة كافة أنظمة الحكم المركزية المتعاقبة باعتبار أنها ارتكبت إثم الحرب على أهل الجنوب.

لقد استعرت الحرب بين الشمال والجنوب على ثلاث مراحل منذ قبيل الاستقلال وحتى عام 2005. ومن الإنصاف أن نقول إن كوارث عظيمة حاقت بأهل الجنوب جراء الحرب.

لكن.. أولا لا يجوز أن نسقط من الحساب كم كابد أهل الشمال تكلفة الحرب بشريا واقتصاديا وسياسيا. وثانيا وهذا هو الأهم هل يجوز أن نتغاضى عن سؤال: من هو الطرف الذي كان يبتدر إشعال الحرب في كافة فصولها المتوالية؟