الخشية الآن أن يتحول تقرير غولدستون إلى نعمة لإسرائيل؛ عوض أن يكون نقمة عليها. كان من المفترض والمنطقي أن ينزل عليها كالماء الساخن. لكن تطوراته تكاد تقلب الآية، بحيث بات يخشى أن يتحوّل هذا الملف إلى «حجر ذهب» ـ ترجمة غولدستون بالعربية ـ مقدّماً على طبق من فضّة لحكومة نتانياهو.

ذلك أن التراشق بين الخنادق الفلسطينية، حول تأجيل التصويت بخصوصه، في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، تفاقم إلى حدّ يهدّد بنسف اتفاق المصالحة الوطنية؛ المزمع التوقيع عليه في غضون أسبوعين.

اللغة السائدة حول هذا الموضوع، تعيد إلى الساحة أجواء التباعد. الفجوة التي جرى العمل، طوال أشهر، لتضييقها عادت تتوسع في ظلّ اشتعال حرب الاتهامات والتنديدات والتبريرات؛ المتواصلة فصولها. وما يزيد الطين بلّة، أنه في الوقت الذي تندلع وتشتدّ فيه الحرب الكلامية الفلسطينية، ترفع إسرائيل من وتيرة عدوانها في الأراضي المحتلة والقدس. وبالذات على المسجد الأقصى. قطعان المستوطنين تحاول اقتحامه.

البوليس الإسرائيلي يمنع دخول الفلسطينيين إليه لحمايته، ما عدا عدة مئات رابطوا في داخله؛ هدّدتهم قوات الاحتلال بإخراجهم بالقوة. إسرائيل متروكة تعربد وتتمادى في انتهاكاتها، لا يتصدى لها سوى المقدسيين العزّل؛ فيما الوضع الفلسطيني مشغول بخوض المعارك السياسية الداخلية، هجوماً ودفاعاً. الواضح أن الجانب الفلسطيني وقع ـ أو أوقعوه ـ في فخّ ترحيل التصويت على القرار. أدرك، لكن بعد فوات الأوان، أنه فوّت فرصة. وجد نفسه، من جديد، في صراع مع حاله. والتوقيت زاد من التعقيد والكلفة.

فهو حصل عشية انجاز المصالحة الوطنية. كما حصل في لحظة، أخذت تتوالى خلالها حلقات الانكشاف والفضح لإسرائيل، على نحو غير مسبوق: هذا التقرير الذي صوّب إصبع الاتهام إليها بارتكاب جرائم حرب. هروب أحد وزرائها ـ باراك ـ من لندن قبل أيام خوفاً من توقيفه بتهمة هذه الجرائم. إلغاء نائب رئيس الوزراء يعالون، زيارة مقررة إلى العاصمة البريطانية، خوفاً من اعتقاله بنفس التهمة.

والمعروف أن هناك مئات الملفات أمام محاكم أوروبية، ضدّ مسؤولين إسرائيليين؛ في هذا الخصوص. بدل أن تكون الأضواء مسلّطة على إسرائيل لزيادة إرباكها؛ انتهى الأمر بزيادة الارتباك الفلسطيني.

هذا آخر ما جلبه الانقسام الفلسطيني وغياب الوحدة الوطنية. أرباح صافية لإسرائيل: الساحة مواتية لها. بل خالية. تهربت من احتمال محاسبتها وأطلقت العنان لانتهاكاتها وعدوانيتها. وما لا شك فيه أن أي تعثر للمصالحة، على أثر ما حصل، من شأنه مضاعفة هذه الأرباح.

ضرر التقرير وقع. السبيل الوحيد لتعويضه، يتمثل في تسريع المصالحة واستعادة الوحدة الوطنية. بدونها، لا نهاية للمطبات والخسائر الفلسطينية.