تمضي الاستشارات النيابية في لبنان إلى خواتيمها التي لا نعرف حتى الآن في ما إذا كانت ستحسب لصالح التفاؤل المأمول أم التشاؤم المرفوض. وحسب تقدير كثيرين، فان المهم في ما يجري هو أن البوصلة تشير حاليا إلى الطريق الصحيح، لكن ليس معروفا بعد في ما إذا كانت ستهدي البلاد إلى المحطة التي يتطلع إليها الجميع: الشراكة الحقيقية والفعالة التي ستساهم بانتشال البلاد من أزمة الوجود التي يتخبط بها منذ عقود طويلة.
وإذا كانت المشاورات في السابق قد تمحورت حول أمور روتينية مرتبطة بشكل الحكومة وطريقة توزيع المقاعد بين القوى والفعاليات التي يضج بها لبنان، فانها هذه المرّة، على ما يبدو، قد خرجت عن الطريقة المألوفة لتنطلق إلى ما هو أوسع وأشمل، أي إلى القضايا الحساسة التي تلامس التطلعات والأهداف المرحلية والاستراتيجية معا.
وهذا بحد ذاته إنجاز يُحسب لصالح الفريق الذي يدير تلك المشاورات، لأنه أضفى مسحة جديدة من التفاؤل حول مستقبل العمل السياسي في لبنان والذي انتقل حسب رأيي إلى مستوى أفضل وأرقى. وحسنا فعل رئيس الوزراء المكلّف بإثارة النقاط السياسية المختلفة أثناء عملية التشاور، لأنه حقق من خلال ذلك سلسلة من الأهداف الضرورية والهامة، أبرزها:
* تحديد نقاط الالتقاء بين القوى السياسية الرئيسية وإمكانيات التعاون القائمة من أجل وضعها قيد التنفيذ ضمن مشروع الائتلاف الحكومي المحتمل،
* تحديد نقاط الخلاف بين تلك القوى والنظر في مدى خطورتها على هذا المشروع، أي بكلام أوضح استطلاع آفاق إطلاقه وفيما إذا كانت هناك أية جدوى لذلك.
* وضع القوى السياسية مجتمعة أمام مسئولياتها وبالتالي إجراء محاسبة موضوعية بينها وبين الرأي العام في حال أدّت المشاورات إلى أي فشل ذريع لا سمح الله.
ويبدو من القراءة الأوّلية لما يجري بأن التكتيك المتّبع قد ساهم في مد جسور الحوار بين الفرقاء المختلفين، لا سيما هؤلاء الذين كانوا منقسمين على بعضهم البعض بشكل خطير جدا. والأهم من ذلك أنه بيّن لهم بأن ثمة كثيرا من النقاط البارزة التي يمكن الالتقاء حولها، وأبرزها تلك المرتبطة بمصير الوطن والطريقة التي يجب اتّباعها لدفعه قدما. فاكتشف هؤلاء فجأة بأنهم قريبون من بعضهم بعضا، وأن الشعارات التي يتغنّى بها الأول يحلم بتنفيذها الطرف الثاني، وأن مكافحة الفساد والتخلف وتكريس العلم والتطور تشكّل في الواقع مطلبا مشتركا لا خوف من طرحه أبدا.
وفيما أن المؤشرات جميعها قد دلّت في السابق على أن العائق الرئيسي الذي منع انطلاقة الحكومة في جولتها الأولى ينحصر في الخلافات القائمة بين تيار المستقبل وحلفائه من جهة والوطني الحر وحلفائه من جهة أخرى، فأنه كان منطقيا أن تجذب المشاورات التي أجراها الرئيس المكلّف مع الجنرال ميشال عون ومستشاريه في الجولة الثانية الأضواء كلّها.
ما يثير الانتباه في ما جرى هو أن الطرفان اكتشفا كثير من النقاط التي يمكنهما الالتقاء حولها، وأن تياريهما يشكّلان في الواقع منطلقا لمشروع سياسي، اجتماعي، إصلاحي قد يكون متقاربا إلى حد ما، وأنهما في حال تمكّنا من تذليل بعض الصعاب القائمة ورسم الخطوط العريضة لمشروع التعاون المستقبلي، فأنهما سيساهمان حتما في إطلاق مشروع بناء دولة «المستقبل» المفعمة «بالتغيير والإصلاح» الحقيقيين.
طبعا لا يمكن إنكار الدور الهام الذي تلعبه القوى الرئيسية الأخرى المتحالفة مع التيارين المذكورين أو تلك التي تدور في فلكهما. لكن التركيز على هذين التيارين دون غيرهما ينطلق من بعض الحقائق الصارخة في معانيها التي تدعو للتفكير والتمعّن: فالتيّارين قاما أصلا على مقولة الانتماء الوطني الصرف البعيد عن الانحياز الطائفي والتوّاق لبناء الدولة الحديثة، لكنهما تحولا لاحقا من خلال بعض الخطوات التراجعية المؤسفة إلى مشروعين مكمّلين للمشروع الطائفي، كما أن كلاهما كانا ولا يزالان حسب بعض التقديرات، جسر عبور مهم من وسط المروحة السياسية اللبنانية القائمة باتجاه تفاصيل معسكري الصراع في لبنان حاليا.
للأسف، أثبتت تجارب الأعوام القليلة الماضية بأن التيارين رضخا لأهواء التحالفات المرحلية والتقسيمات الطائفية الفريدة، ففقدا فرصة كادت أن تكون تاريخية لتحقيق حلم آمن به كثير من اللبنانيين، وهو بناء كيان حزبي وطني لا يدّعي تمثيله لهذه الطائفة أو تلك، بل يفخر بحمل لواء الوطن بأكمله ويعمل على بناء مداميكه بكل إخلاص وتواضع. ولأن الأحزاب العلمانية القائمة فشلت فشلا ذريعا حتى الآن بتكريس مشروعها الوطني اللا طائفي كخيار شامل يلتف حوله اللبنانيون، فان الساحة كانت مؤهلة لاستقبال التيارين المذكورين كبديل حديث وعصري عن المشروع الروتيني الذي كانت تقدّمه الأحزاب العلمانية المذكورة، لأنهما طرحا شعارات جذّابة، قد تكون شعبوية في جوهرها، لكنها قريبة من تطلعات الناس.
وبالطبع لسنا هنا في معرض المبالغة بالتفاؤل في إمكانية تحقيق أي نوع من التعاون الاستراتيجي بين التيارين الحالمين بمستقبل أفضل للبنان يرتكز بشكل رئيسي على مبادئ التغيير والإصلاح.
فالوقائع القائمة على الأرض تشير بوضوح إلى عمق الأزمة التي تفصل بينهما وخصوصا في ما يتعلق بالقضايا الخلافية الكبيرة ذات الطابع الاستراتيجي. ما يهمّنا هو أن الطرفين، ومعهما القوى الأخرى، قد تمكّنا من طرح العناوين الرئيسية الخلافية ووضعها في سياق النقاش الجدّي، وهو ما سينعكس لاحقا على الأداء الحكومي في حال تمكّن الرئيس المكلّف من إنجاز المهمة المناطة به.
كاتب لبناني
