منذ العدوان الإسرائيلي في يونيو 1967، اتخذت عمليات تهويد المدينة المقدسة طرقاً وأساليب عدة. تراوحت هذه بين استخدام قوة السلاح والعنف المفرطين إلى السيطرة ومصادرة الأراضي والممتلكات إلى الحصار التمويني والطرد بشكل قسري للأفراد والمجموعات.

خلال فترة وجيزة، استمرت عقداً من السنين، نجحت إسرائيل في خلق ديمغرافية جديدة تبين أن المدينة في طريقها إلى أن تصبح يهودية بامتياز. المؤرخون ومرشدو السياح الإسرائيليين لا ينفكون يعبثون بالحقائق، ويصفون المدينة بأنها قلب الشعب والديانة اليهوديين. الهدف النهائي لحملة التهويد في المدينة هو قلب الوجود العربي والإسلامي فيها المتمثل بالحرم القدسي الشريف. يضم الحرم القدسي المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة وعدداً من المعالم والملاحق الإسلامية.

حقيقةً مرت المنطقة بحقب تاريخية متعاقبة كونها على الدوام تمثل مهوى أفئدة الكثير من الجماعات البشرية، العقائدية بشكل خاص. ترك كل قوم بصمات لهم في تاريخ المنطقة، بصمات قابلة للتأويل حسب هوية وهوى وخلفية المؤرخ الكاتب.

على مدى يقترب من النصف قرن من الاحتلال قامت إسرائيل بإنجاز شبكة من الأنفاق القائمة على الحفريات. شبكة من الأنفاق افتتحتها أو أقامتها تحاول فيها بناء مدينة «مترو سليمان عصرية وتاريخية»، تقبع تحت ما ظهر على سطح الأرض من معالم مقدسة لدى المسلمين. في عهد الرئيس الأميركي الأسبق «بِل كلينتون» تقدّم المندوب الأميركي في المفاوضات باقتراح تقسيم المدينة بشكل عمودي بين الطرفين. في هذا التقسيم يسيطر الطرف الإسرائيلي على المدينة تحت الأرض في حين يسيطر الفلسطينيون على الجزء العلوي الظاهر منها.

إضافة إلى عقم نتائجها وطبيعتها الاستفزازية، فالحفريات الإسرائيلية تضرب بالقانون الدولي عرض الحائط. الأمر يزداد خطورة عندما تقوم إسرائيل بتحوير وتفسير التاريخ بطريقة تخدم أهدافاً سياسية وطموحات أيديولوجية، وتستفز مشاعر مئات الملايين من البشر حول العالم. تجري هذه بشكل جسور وعنيد لا يفضي إلا إلى المواجهات العنيفة والحروب.

بعبارة أخرى فإنه لولا الإجراءات الأمنية المشددة التي تفرضها إسرائيل والدول المحيطة بها على الشعوب، فلن تقف الأخيرة مكتوفة الأيدي إزاء ما يجري لمدينة القدس. الحفريات الإسرائيلية موجهة بشكل جريء ومباشر ضد قلب وعقل وعصب وكينونة وكيان كل مسلم، وعلى مدار الساعة.

تحجيم الوجود العربي في المدينة إلى درجة هامشية ضيقة يسير جنباً إلى جنب مع الهجمة الإسرائيلية الشرسة. بدعم أميركي سياسي ومادي ومعنوي وإعلامي لا محدود تسير خطى التطهير العرقي في المدينة بثبات منقطع النظير.

لا يستطيع العرب والمسلمون، فرادى أو مجتمعين، رفع رؤوسهم لا عسكرياً ولا سياسياً ولا اقتصادياً ولا إعلامياً للتعبير عن حنقهم بشكل عملي لوقف «أسرلة وتهويد» المدينة العربية المقدسة سياسياً وقانونياً مفروضاً، فالفيتو الأميركي في مجلس الأمن يقف بالمرصاد ضد أي تحرك عربي أو إسلامي مهما يكن خجولاً، كما كان على الدوام. بالذات لا يستطيع الفلسطينيون تقديم شكوى ضد إسرائيل على اختراقها للقانون الدولي وحقوق الإنسان، حتى في ظل إدارة رئيس هو الأقرب ما يكون إلى قلوب ومنهجية ضحايا هذه الاختراقات.

ثبت للجميع أن إسرائيل دولة عدوانية شريرة مارقة، لا تعترف بقوانين ولا أعراف ولا معتقدات للآخرين. العربدة الإسرائيلية تجري بدعم أميركي لا محدود أمام تخاذل عربي وإسلامي واضح بل مشين. الفلسطينيون وبجبهة داخلية منقسمة على نفسها بشكل مأساوي أسلموا كافة أمورهم إلى راعي عملية السلام الأميركي، أمنياً وسياسياً وتربوياً وتعليمياً وتثقيفياً.

السلاح الفلسطيني الذي من المفترض أن يوكل إليه مهمة ردع الاحتلال عن مخططاته تحول الآن لإسكات أي تحرك داخل التجمعات السكانية العربية. هذا بالإضافة إلى تأمين الأمان للكتل الاستيطانية من الجانب البشري الفلسطيني، لإثبات حسن النوايا تجاه الطرف الإسرائيلي! عربياً وإسلامياً فالأنظمة والشعوب تغرق في دوامات القلق على الأمن والاقتصاد والسيطرة على الترهل والفساد والفوضى الإدارية.

الوعود الدولية الخجولة بشأن بحث الأمور بجدية اتجاه القضايا الرئيسية أو الجوهرية التي تعيق إقامة سلام راسخ هي من قبيل تكرار الوعود المبتذلة. على أرض الواقع لم تتمكن تلك الجهود من رفع أو حتى تخفيف قيود التنقل على الفلسطينيين تحت الاحتلال. على سبيل المثال فاللجنة الدولية الرباعية المكلفة ببذل الجهود للعودة إلى المفاوضات الجدية! ليس باستطاعتها وضع حد للإجراءات الإسرائيلية المذلة ضد المدنيين. هذا التلكؤ القاتل المذل باتجاه اتخاذ مواقف حاسمة يهدف إلى ابتزاز الطرف الفلسطيني بشأن القضايا المصيرية التي من بينها قضية القدس.

إذن فالطريق باتجاه تهويد الحرم القدسي الشريف باتت واضحة المعالم. كتل بشرية عربية تُزاح من التواجد في المدينة المقدسة. من يتبقى هناك لا حول لهم ولا قوة إلا باحتجاجات تدخل في حيز حرية التعبير عن الرأي واحترام حقوق الآخرين!.

مدينة الأنفاق التي يفتتحها ويشيدها الإسرائيليون تحت الأرض تجعل الناس يقتنعون بأحقية التواجد اليهودي على غيره من تواجد الفئات الأخرى. مع استمرار زخم الهجمة الإعلامية والثقافية الشرسة على العالم الإسلامي يصبح قبول الأمر الواقع طريقاً لا مفر منه. يحدث ذلك الآن على ألسنة سلة من أبواق الدعاية التي تسير في بثها حسب المنهجية الغربية.

لدى العرب والمسلمين كم غير محدود من الأوراق والأساليب الرابحة والضاغطة لردع إسرائيل. المشكلة في النظام العربي أنه بشكله الحالي فهو غير قابل للتحرك لا إلى الأمام أو إلى الخلف!. لا تستطيع القوى الإسلامية الرسمية والشعبية التحرك لنصرة القضية ولو بشكل محدود، وحتى من بوابة القدس كمدينة تحتضن أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. هنالك تقصير دولي واضح من النواحي السياسية والإنسانية والحضارية والتاريخية الأثرية والعقائدية.

الآن، كل هذه يجب أن تُؤخذ بعين الاعتبار في التحرك المفروض على العالمين العربي والإسلامي. ذلك قبل أن تلفظ إسرائيل المدينة المقدسة إلى العلن بصورة يهودية لا لُبس فيها لدى عامة البشر في كافة أصقاع الأرض.

جامعة الإمارات. قسم العلوم السياسية

Nasrin@uaeu.ac.ae