ستة عقود مضت على إعلان الزعيم الراحل ماوتسي تونغ تأسيس الجمهورية الصينية الشعبية في 1 أكتوبر سنة 1949، بعد انتصار الشيوعيين الصينيين في الثورة الوطنية الديمقراطية التي خاضوها ضد اليابانيين الذين احتلوا منشوريا أولا، ثم ضد حزب الكيومنتونغ في الحرب الأهلية، ثانيا.
وتكمن أهمية الثورة الصينية في قدرة ماوتسي تونغ على أن ينقل الفكر الاشتراكي من محيطه العقلي والجغرافي في أوروبا الرأسمالية، إلى الشرق عبر استيعابه له، ودمجه بالواقع الصيني. وهذه الأهمية تندرج ضمن سياق انتقال بوصله الثورة العالمية، من الناحية الفعلية نحو البلدان حيث القضية القومية والمسألة الزراعية، تحتلان المركز الرئيس في الثورة الديمقراطية.
الصين هي البلد الاشتراكي الذي عرف تبدلات قل نظيرها في بلدان المنظومة السوفييتية السابقة، والبلدان النامية، إنها التبدلات التي فعلت فعلها، ولا تزال تفعل فعلها في المسار الاقتصادي والاجتماعي لصين اليوم.
فقد انتقلت الصين من كوارث الثورة الثقافية التي قادها ماوتسي تونغ ووزير دفاعه لين بياو في عام 1966، إلى الانفتاح على العالم الرأسمالي، والقيام بالإصلاحات الاقتصادية الليبرالية تحت راية التحديثات الأربعة، التي قادها الزعيم الراحل دينغ سياو بينغ الذي عاد إلى السلطة في عام 1978، بعد أن تم القضاء على عصابة اِلأربعة.
ولقد فرض الإصلاح الاقتصادي الذي طبقه باني النهضة الصينية الحديثة الراحل دينغ سياو بنغ من أجل تحديث وتطوير الزراعة، وإحلال الرأسمالية في الريف الصيني، الأمر الذي أدى إلى تفكيك الكومونات الشعبية، التي أطلق عملية بناءها ماوتسي تونغ عقب القفزة الكبرى إلى الأمام عام 1958.
ونجم عن هذا الوضع تعميم الملكية الخاصة في الأرض، وتمركز الإنتاج. وبذلك انتقل الملاك الجدد الذين راكموا رأس المال والأرض إلى عمليات الاستثمار الرأسمالي في مختلف المجالات الزراعية والعقارية والصناعية الخفيفة.
وما كان لكل هذه الأمور ان تحدث لولا تدخل الدولة التي أبقت النظام السياسي قائماً، لكنها تخلت عن بقية المهمات التي كانت تمارسها في المجتمع. أضفت هذه الازدواجية بين الاستمرارية السياسية والانقطاع الاقتصادي والاجتماعي على النيوليبيرالية الصينية طابعاً خاصاً.
فقد كان من الاهداف الرئيسية للسلطة حل أزمة شرعيتها التي باتت موضع بحث مع انتفاضة تيان آن مين الاجتماعية التي قامت في العام 1989. ومذّاك أصبحت الصين تعيش تناقضا صارخا بين انعتاقها في خط الليبرالية الاقتصادية، وبين الاحتكار الشمولي للسلطة السياسية من جانب الحزب الشيوعي.
الصين اليوم انفتحت بشكل كامل على العالم الخارجي من خلال نيل عضويتها في منظمة التجارة العالمية، وفتح أبوابها على مصراعيها أمام الاستثمار الأجنبي، ومد السجاد الأحمر للشركات المتعددة الجنسية، لكن يظل القطاع الخاص الصيني ملجما بقوة، بصرف النظر عن تطوره في ظل الفجوات المفتوحة من قبل النظام. لهذا كله نقول إن مستقبل القطاع الخاص في الصين ليس مرتبطا بدخول الرأسماليين الجدد إلى قلعة الحزب الشيوعي الصيني فقط، بل بعملية تحرير مصادر تمويل الشركات والمؤسسات الخاصة.
باتت الصين اليوم مصنع العالم، مع تنوع المشاريع التي تستقطب الاستثمارات الأجنبية، والزيادة الكبيرة في التشغيل في قطاع التكنولوجيا الراقية، التي تستفيد من التكلفة المنخفضة لليد العاملة الصينية، والنوعية المتقدمة للصناعة، وقدرة الصين على تسويق منتجات التكنولوجيا الراقية، حسب شهادة المجلة الأميركية، الشهيرة «بز نس ويك».
لقد جاء في التقرير الصادر عن مصلحة الدولة للإحصاء، أن نسبة المساهمة الصينية في النمو الاقتصادي العالمي ارتفعت من 3,2 في المئة سنة 1978 إلى 2,19 في المئة سنة 2007. كما أن إجمالي الناتج الوطني انتقل من 30 مليار دولار في سنة 1952 أميركي إلى 3860 مليار دولار في سنة 2008.
المجتمع الصيني اليوم، أصبح ينشد التحديث لمواكبة تطور العصر، ويرفض العيش بالطريقة القديمة، فضلا عن انه يرفض كلياً نزعة السيطرة الأبوية والاحتكارية التي يمارسها الحزب الشيوعي الصيني «حزب الأمراء»، الرافض لتحول الصين إلى الديمقراطية التعددية.
كاتب تونسي