حاولت أن افتح ذاكرتي من شرفة الزمن بمناسبة احتفال جمهورية الصين الشعبية بستين عاما على ثورتها وقيام الجمهورية الصينية الشعبية بعد أنقاض وهزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية.

لم تكن حماقة اليابانيين السياسية في تلك الفترة إلا غرورا عسكريا واقتصاديا وإيديولوجيا بنزعة إمبراطورية توسعية شبيهة بحماقة نظيرهم الألماني في أوروبا وحلمه الآري المجنون وإيديولوجيته النازية، فقد ورط هتلر نفسه بمحيط دائرة كبيرة كدولة بحجم الاتحاد السوفييتي، بل وبدائرة أوسع عالميا، بحيث خلق محورا دوليا ضده وانقسمت الأنظمة والدول والشعوب بين معسكر المحور والحلفاء، مثلما ورطت اليابان نفسها بالانغماس في حرب تحررية طويلة بلغت اثنتي عشر عاما واجهتها مع الصينيين، فكانت حرب استنزاف طويلة بدأت بعام 1937 وانتهت عام 1949، خرجت منها اليابان موجوعة بحجم القنابل الذرية في هيروشيما ونجازاكي.

ربما تبدو القنابل والتدمير العسكري النهائي المهول لليابان وهي في حالة تراجع وانتكاسة هي المشهد الأخير من الهزيمة، ولكن الوقائع الحقيقية تؤكد إن الضربات الصينية والسوفييتية العسكرية من منشوريا ومنغوليا، وتدفق السلاح والمساعدات اللوجستية السوفييتية، سببا عمليا في مواجهة الآلة العسكرية المتقدمة لليابان، ولكن دون شك للشعب الصيني والحزب الدور الأساسي في مواجهة الاحتلال الياباني.

ففي كل الحروب تشكل إرادة الشعوب مع عامل السلاح عنصرا مؤثرا في الانتصار العسكري، الاحتلال الياباني الأعمى الذي غطس في المستنقع الصيني الواسع والقوي والمتعدد الجبهات بتحالفاته وجبهته الداخلية المتماسكة بجيشه النظامي المتحرك من نقطة جغرافية إلى أخرى في طول البلاد وعرضها، وتحويل جزء من الجيش النظامي لحرب العصابات كان درسا تاريخيا لدول الجوار كوريا الجنوبية واليابان اللتان ستتحصنان بحليفها الأميركي بعد الحرب.

ستون عاما من تلك الظلال وذاكرتها تجعلني استعيد رحلة الشباب وعنفوانه السياسي، فقد عرفت لأول مرة في حياتي حفلة (الرسبشن) في السفارة الصينية في القاهرة في العام 1969 وقد مر على الثورة عشرين عاما، وحينها لم يكن طاقم السفارة مهتما بمظهره الدبلوماسي الخارجي كما هو اليوم، فزمن الاستنفار الثوري والملابس الكاكية هي السائدة في حينها، بل وكان المثقفون الثوريون من مثقفي فترة الخمسينات والستينات يتباهون بلبسها باعتبارها مظهرا من مظاهر الثورة والثورية.

في هذه الفترة سينفث التنين الصيني نيرانه بهدوء نحو مياه الخليج والجزيرة العربية. فهل جاء الصينيون لمياهنا ويابستنا أم الحركات السياسية المعارضة ذهبت إليه تطلبه المساعدة؟ وهل كانت الرؤية الصينية للمنطقة واضحة في ظل غياب علاقات دبلوماسية مع كافة الدول والتي اغلبها لم تنل استقلالها في ذلك الوقت أم اتسمت تحركاتها بنوع من الحذر ؟، سؤالان يحتاجان إلى مقالة منفصلة.

تحتاج حفلة ذكرى الثورة العشرين إلى بدله، فمن أين لي تلك البدلة التي حتى تلك اللحظة لم اعرفها ؟. أنقذني من ورطتي وحيرتي بفكرة البدلة أبو قيس الذي طلب مني مرافقته باعتباره ممثلا من ممثلي حركات التحرر الوطني في البحرين المعتمدة مكاتبها في القاهرة.

قال لا تهتم كثيرا جماعتنا الصينيين كلهم لابسين كاكي، ثم ضحك بتلك الابتسامة الرقيقة ففهمت معنى ومدلول عبارة الكاكي ذو اللون الأخضر الغامق الممزوج بشيء من الزرقة. لم يكن بالنسبة لي ذلك المكان والليلة إلا طقسا سياسيا جديدا.

كما إنني لم أكن في حينها صينيا بالشكل المتعارف عليه بين مجموعات موسكو وبكين، وإنما كنت شابا حالما يرتدي بنطلون المخمل الكحلي تاركا اللحية الجيفارية لعالمها كموضة من موضات الستينات، بل وكنت معجبا بجيفارا كثيرا، وربما من هنا كان تعاطفي الغريزي مع فكرة حرب العصابات والحركات الشعبية وحروب الغوار، وان كنت سياسيا لا أؤمن بجدواها لمناطق تضاريسها مختلفة.

في نفس العام عدت من القاهرة إلى العمل في أبوظبي، وكانت يومها أخبار اليمن الجنوبي والثورة الظفارية تملأ الدنيا، ويصلنا شررها سرا وعلانية، وعبر منشورات يوزعها الطلبة العمانيون في السكن الداخلي في ابوظبي ومدن أخرى. كانت وجهة نظر التيارات الصينية في الخليج القومية واليسار الجديد معروفة بدعوتها وشعاراتها بحمل السلاح لإسقاط الأنظمة. هذا الشعار بدا صينيا في تلك الفترة، فيما عرفت التيارات الماركسية المحسوبة على موسكو ـ حسب النعت والوصف التقليدي معارضة لنهج العنف.

كانت الحقبة تتميز بالغليان في العالم الثالث، وبدت سائدة ومهيمنة فكرة الكفاح المسلح، فقد برزت الثورة الصينية بعد البلشفية ثم الفيتنامية كنموذجين، كان للريف والفلاحين دورا بارزا فيها، والتجربة الجيفارية، وكتكملة للمشوار الكوبي نموذجين آخرين لفكرة البؤرة والنواة الثورية. في هذا المناخ وصراعاته عاش النظام الصيني مع ثورته الفتية مع حلم اقامة علاقات دبلوماسية مع هذه المنطقة، ولكن الانجليز أقاموا ذلك السور الكبير بين منطقتنا والصين الشعبية.

تبدل العالم خلال النصف قرن الأخير، وما عاد التنين الصيني يحلم بالمياه الدافئة في الخليج ! اليوم لا تحتاج الصين الشعبية في عيد ميلادها الستين للسباحة في تلك المياه بمحاذير بريطانية بعد أن نلنا استقلالنا، وبعد أن عادت هونغ كونغ لحضن الأم.

وباتت الأسواق والاستثمارات مفتوحة على مصراعيها، فأينما تذهب ستجد خلف كل بضاعة استهلاكية تشتريها عبارة «صنع في الصين» فسلاح البضاعة وثورة الصراع الاقتصادي، أو بتعبير أخر «القوة السلسة» ستجعل من الإيديولوجيات القديمة موضوعا تحت المجهر والتساؤل المستمر والتاريخي، فأسئلة كثيرة ما زالت معلقة عن مدى صمود الثورة ومواصلتها على مبادئ الزعماء الأوائل، وهل الثورة في مرحلة استكمال مسيرتها ولكن في ظروف مختلفة أم أنها في اتجاه معاكس، تدريجي وتراكمي، قد يدفع بالنظام إلى الخيار التاريخي الصعب وستكون مشاهد تراجيديا البيروسترويكا ـ وذاكرتها ليست بعيدة ـ ماثلة أمام الحزب والشعب والثورة.

وبتعبير كريس باتن المنبوذ صينيا ( آخر حاكم بريطاني لهونغ كونغ ) والذي يراهن على القشرة الرقيقة التي تغطي القيادة اللينينية الواثقة بنفسها ظاهريا تغطي مجتمعا يتحرك بقوة ويتحرق شوقا للتغيير.

كاتب بحريني

baderabdulmalek@yahoo.com