مهما حاولنا أن نخفي مشاعرنا بالصدمة والخذلان والحيرة لما جرى في المجلس العالمي لحقوق الإنسان مؤخرا، فلن نستطيع.. فماذا يعني تأجيل المجلس العالمي لحقوق الإنسان للتصويت على إحالة تقرير القاضي جولدستون رئيس لجنة تقصي الحقائق الأممية في جرائم العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني في غزة إلى مجلس الأمن بطلب من السفير الفلسطيني وبقبول عربي وإسلامي؟!
هل يعني حقا الحكمة وبعد النظر السياسي الذي تتمتع به السلطة الفلسطينية لحساب ما هو حقوقي وإنساني فلسطيني أم على حسابه؟.. وهل يعني حقا مجرد تأجيل للعدل سعيا للإسراع في تحقيق السلام مع من لا يعرف العدل ولا يريد السلام ؟!.. أم يعني أن دية الموقف الفلسطيني والعربي هي مجرد تهديد إسرائيلي أو تحذير أوروبي، أو توجيه أميركي؟! و«واللى تعرف ديته أقتله» كما يقول المثل المصري!
وهل يعني التوافق العربي والإسلامي مع الموقف الرسمي الفلسطيني الصادم لمشاعر الرأي العام الفلسطيني،قوة وشجاعة باتخاذ مثل هذا القرار الصادم لمشاعر الرأي العام العربي والإسلامي.. أم يعني الضعف والخوف العربي من إغضاب إسرائيل، وأوروبا وأميركا المنحازين إليها على حسابنا،لأننا ببساطة أضعف من تحمل عقوباتهم على عدم سماعنا لكلامهم ؟!..
أم لا يعني سوى هواننا على أنفسنا؟!.. وبينما الضعف يمكن تبريره بانقساماتنا والخوف يمكن تفسيره بإجرام عدوانا، لكن الهوان لا يمكن تبريره والارتهان لا يمكن تفسيره، والابتزاز الصهيوني لا يمكن قبوله والضغوط الأوروبية والأميركية لا يجب مقابلتها إلا بضغوط عربية،لأننا في الواقع لسنا في حالة ضعف، ولكننا في حالة هوان.. و«من يهن يسهل الهوان عليه»!
..ألا يعني السماح بالتغطية على التقرير الدولي للقاضي جولدستون، تغطية على الجرائم العدوانية الصهيونية ضد الإنسانية ومكافأة للمعتدين الإسرائيليين، وتوفيرا لغطاء فلسطيني بتوافق عربي وإسلامي لتكرار العدوان والإرهاب الصهيوني طالما سنمكن المعتدي في كل مرة من الإفلات من العقاب، لأن «من أمن العقاب أساء الأدب»؟..
وألا يعني هذا التأجيل أيضا السماح بالتضحية بحقوق الإنسان الفلسطيني في «العدل» على يد كل أدعياء حقوق الإنسان في أكبر ساحة عالمية للدفاع عن حقوق كل إنسان، جريا وراء وعود السلام الأميركي وأوهام السلام الإسرائيلي، بينما لم تستطع أميركا مجرد تجميد الاستيطان الصهيوني، ولا تريد إسرائيل حقا الوصول إلى السلام الأميركي؟...
وهل نلوم المجلس العالمي لحقوق الإنسان الذي تبنى موقفنا واستجاب لطلباتنا بإجراء التحقيق الأممي رغم معارضة الأوروبيين والإسرائيليين، وبذلك لم يعد مطلوبا منه أن يكون فلسطينيا أكثر من الفلسطينيين ولا عربيا أكثر من العرب، ولا إسلاميا أكثر من المسلمين ؟!.. أم نلوم أنفسنا بخذلان الدول والمنظمات الحقوقية التي حققت في جرائم العدوان واتهمت إسرائيل بارتكاب جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، أم نلوم أعداءنا لأنهم هددونا وحذرونا من عواقب تحويل التقرير إلى مجلس الأمن الدولي بالانسحاب من المفاوضات، وبعقاب السلطة بمنع تشغيل شركة الإتصالات؟
.. ربما لا يجب لوم أحد سوى تقصيرنا في حق أنفسنا وترددنا في التمسك بحقوقنا بانفراط تماسكنا في تعاملنا مع العالم، سواء بانقساماتنا الفلسطينية، أو بتبايناتنا العربية دوليا بين معتدلين وممانعين، بما يضعف مواقفنا ويقوي موقف عدونا ؟.. ف «إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها هوانا بها كانت على الناس أهونا».