في مجتمعنا إيجابيات وسلبيات، وكأي شعب، تلعب أدوار الانتقال من حال لأخرى جذّ الكثير من العادات، وتبنى أخرى، فقد خرجنا من فقر القرية للمدينة لنكسب صفاتٍ ونؤسس لأخرى، فالتطور ليس امتلاك منزل حديث، وأبناء على درجة جيدة من الصحة، إذا لم يكن الوعي بدقائق الحياة مفهوماً بشكل جيد، ولعل نظرة عامة لشعوب متطورة لم تنشأ على ثقافة الخوف من أي تجربة جديدة، واعتبار العمل واجباً وغير مقيّد بساعات الدوام، وأن المنشأة نفسها ملْك وطني لا يجوز تخطي اعتباراتها النظامية تُظهر مدى وعي تلك الشعوب ..
فنحن لا نؤدي دورنا كاملاً في الإدارة لغياب التخطيط والرادع ، وعدم الخلط بين المصلحة العامة والخاصة أو الفصل بينهما، لأن المواطنة ليست شعاراً بل هي فعل دائم، ولدينا حالات الانفعالات الحادة لمجرد خلاف في الرأي، وصارت هيمنة الأبوة في المنزل والمدرسة والعمل لا تتطور بالحوار، لأن تلك الهالة المتوارثة جعلت شخصيتنا تبعية لا نقدية متحررة من بعض القيود، حتى إن الزواج يحدث بخيار الوالدين لا الشريكين في أغلب الأحيان، وأخذْنا ، بسبب ارتفاع دخول الأفراد والأسر ، بطبيعة المستهلِك الشره، ولم نتعرف بعدُ على قيم الادخار، وصرنا نحتاج في فعلنا وسلوكنا إلى فتوى جديدة قد لا تكون من عالِم دين.
وإنما ممن يملك مقدرات فرض القرار، واختلطت لدينا مفاهيم العلاقة الاجتماعية بتصنيفات أقرب إلى التفرقة، وشبيهة بالعنصرية بإعلاء اسم الأسرة والقبيلة والمنطقة، وفي شوارعنا وطرقنا نعيش حالة سباق متهور، الكل تطارده هواجسه يريد أن يكسب الطريق، لا أن يكسب الوقت كالشعوب التي تراعي قيمته، وفي ملامحنا العامة لا نشهد الابتسامة، فنحن مكتئبون، لا تزورنا النكتة، إلا كتعبير عن سخط ما على الآخر بمعنى أن التنافس على كسب الثقة والتعافي من مرض الخوف الذي يجتاحنا من المستقبل ، وتحقيق أعلى معدل بأقصر الطرق وأسهلها، لا نراه بعيون واضحة..
هل فيض مشاعرنا وسرعة انفعالاتنا تعودان إلى طبيعتنا الجغرافية ومناخنا الحار، وعزلتنا الطويلة عن الاحتكاك بالعالم، أم أنه ضغط الظروف المستجدة، وعدم ابتكار حلول لها، ونشدان الوصول للكمال بينما الحبال تقيّدنا بموروثها؟ وهل العلامات السلبية الجديدة بتكاثر حالات السرقة وحوادث السيارات والجريمة، والبطالة، وعدم وجود وسائل ترفيهية غير مخلّة بالأخلاق، أيضاً سبب آخر؟
الفصل بين مشكلة وأخرى، وحالات الحراك الاجتماعي المستمر واستخراج نتائج في تحليل الشخصية وجوانب القصور والنجاح، مهمة علماء الاجتماع والنفس والمؤسف أن جامعاتنا ومؤسساتنا الأخرى، لا تتعامل مع هذه البحوث باعتبارها قياساً عاماً لوعي المجتمع وانتقاله من حال لأخرى، ونحن هنا لا ننظر فقط إلى الوضع السلبي فلدينا نجاحات كبيرة في العديد من المهام، لكنه تقدم لا يزال في حالة اشتباك بين الموروث والحديث، وحالات التصادم هذه خلقت بؤراً كبيرة في قبول ورفض أي قيم ناشئة، ومع ذلك فالاستعداد للتجاوز موجود ولكنه يحتاج إلى إرادة مشتركة تُحدث النقلة بلا سلبيات..
