نستغرب التصعيد السياسي والإعلامي الذي يعمد إليه أفراد من الجاليات العربية التي أقامت ومازالت تقيم في دولة الإمارات العربية المتحدة بعد صدور أحكام في شأن بعضهم بناء على خلفيات ترتبط بمواقف سياسية وأمنية، ليس من حق أي فرد التدخل فيها، ليس في الإمارات فحسب، بل في دول العالم كلها التي تدرك سيادة القوانين ولوائحه على مواطني الدولة والمقيمين فيها أو حتى الزائرين، وتعي أن التدخل المقبول لابد وان يكون من خلال قنوات تتحمل مسؤولية مناقشة تلك المواقف إن وجدت وتفسيرها بعيدا عن التصعيد الإعلامي، الذي انتهجه عدد من اللبنانيين الذين ادعوا إبعادهم من الإمارات بطريقة تعسفية، وادعوا أكثر أن الإبعاد كان بسبب تعاطفهم مع المقاومة الفلسطينية واللبنانية.

وهو ما عبروا عنه بصريح العبارة في قنوات عدة، بدءا بقناة «العالم» التلفزيونية الإيرانية، مرورا ببعض الصحف اللبنانية، وانتهاء بوكالة الأنباء الفرنسية التي قالت أمس إن العشرات من اللبنانيين ممن تم إبعادهم عن الإمارات ـ على حد قولهم ـ يعمدون إلى تصعيد تحركهم وإعداد ملف قضائي بعد تأكيدهم على أن تعرضهم لهذا الإبعاد الذي وصفوه بأنه «التدبير التعسفي» مرده تعاطفهم مع «المقاومة بلبنان وفلسطين». ونقلت الوكالة عن رئيس لجنة المبعدين قوله بمؤتمر صحافي ببيروت إن اللجنة ستدعو إلى «تصعيد التحرك والاحتجاج السلمي والسياسي والإعلامي».

الاستغراب يأتي لأسباب عديدة، أولها تبني بعض اللبنانيين في وسائل الإعلام المختلفة دعوة للتحرك والاحتجاج السلمي والسياسي والإعلامي ضد موقف الإمارات دون إشارة إلى موقف الخارجية اللبنانية التي يفترض تعليقها على القضية باعتبار أن لديها سفارات معنية بشؤون جاليتها في كل دولة، وباعتبارها القناة الرسمية التي تتخاطب مع شعوبها وتقدم لهم الدعم حسب الحاجة.

والأغرب هو ادعاء بعض اللبنانيين أن «التدبير التعسفي» على حد قولهم نتيجة تعاطفهم مع المقاومة في فلسطين ولبنان، ووجه الاستغراب يأتي من مواقف الإمارات الواضحة إزاء فلسطين ولبنان وشعبيهما الذين حظوا ومازالوا يحظون بالدعم كله من دولة الإمارات بمختلف أشكاله، بدءاً بأبواب الدولة التي فتحتها للبنانيين والفلسطينيين ليقيموا فيها ويعملوا ويستثمروا ويساهموا في تنمية الدولة، ولأن الإمارات لم يسبق أن عبرت عن مواقف تعارض فيها المقاومتين الفلسطينية واللبنانية، لأنها تعتبر ذلك من الشؤون الداخلية التي لا تقبل التدخل فيها ولا تقبل استخدام أرضها مسرحا للتعبير عن مواقف سياسية فردية أو جماعية تتسبب في خلافات سياسية اكبر.

مواقف بعض الإخوان اللبنانيين في وسائل الإعلام، والدعوة إلى تصعيد تلك المواقف سياسيا يلفت النظر إلى مسألة في غاية الأهمية، وهي أن بعض الجاليات التي تقيم في الإمارات لا تلجأ لسفاراتها في قضايا حساسة كهذه، ولا تدرك حدودها ومسؤولياتها في احترام قوانين الدولة ولوائحها الملزمة للجميع باعتبار الدستور الذي يحكم الدولة، والأكثر أنها قد تدفع بتلك المواقف البعيدة عن العقلنة والحكمة .

فيما لو لم تتدخل وزارات الخارجية المعنية إلى ممارسات مرفوضة دوليا لأنها تفصح عن جاليات تتدخل في قرارات وشؤون دولة مضيفة، بل وتعتبر نفسها دولة داخل دولة، لها من القوانين والممارسات الخاصة، وان كانت متعارضة مع مصالح الدولة المضيفة السيادية والأمنية، وهو ما لا تقبله أي دولة لأن الحقوق السيادية والأمنية في أي دولة ليست للجدل أو النقاش من أي جالية كانت.

وهي حقيقة مهمة يفترض استيعاب الشعوب لها فلا تتدخل في قرارات تتصل بشؤون داخلية وان تأثرت بها، ذلك أن لديها مؤسسات رسمية تمثلها كشعوب وتتحمل مسؤوليتها في الحفاظ عليها كوزارات الخارجية والمؤسسات الأمنية. وهو المأمول لوقف هذا التصعيد غير المبرر بحكمة وعقلانية من خلال قنوات رسمية تستوعب أهمية المحافظة على مصالح سيادية ودولية أكبر.

maysarashed@gmail.com