ظهرت العديد من المصطلحات في التاريخ السياسي العربي الحديث والمعاصر منها مصطلح المستقلون، وكان أساسه منذ فترة الاستعمار على الدول العربية، وبعد استقلالها، وكان يعني بأن أولئك يريدون الاستقلال لبلدانهم، ومن ثم هم ليسوا تابعين للنظام السياسي القائم آنذاك أو لأية جهة أخرى. ثم أخذ هذا المصطلح أبعاداً أخرى مع مرور الزمن من قبل القوى والأحزاب السياسية والاستقلال بالرأي مبدأ ظهر لدى المثقفين العرب لكن المفهوم يشوبه الغموض لدى الأفراد والجماعات والأحزاب، وكثيراً ما استغل سياسياً واجتماعيا فهل يعني الاستقلال الحياد أم الموضوعية، أم يعني عدم الانتماء لتيار من التيارات السائدة في مرحلة من المراحل التي نعيشها؟
ويبدو أن مفهوم الاستقلال والمستقلون يختلف من مجتمع لآخر، ومن وقت لآخر، ففي الإمكان تحديد معنى ومفهوم الاستقلال بشكل عام ولكن من الصعب تحديد ذلك في دولنا العربية فقد اختلط السياسي بالاجتماعي بالاقتصادي وكثيراً ما نسمع عن مستقلين في حياتنا السياسية ولكنهم ليسوا كذلك في حقيقة الأمر فقد استخدم هذا المصطلح تكتيكياً في الممارسة سواء من قبل بعض الأفراد أو بعض الأحزاب والقوى السياسية في مناسبات وأحداث عاشتها دولنا واعتبروا ذلك شطارة وجزءا من العمل السياسي، فعلى سبيل المثال يستخدم هذا المصطلح كثيراً في الانتخابات العامة في دولنا.
وإن معظم الذين يرفعون ذلك الشعار ليسوا مستقلين! ونكتشف بأنهم منتمون لجماعات وقوى لكنهم استخدموا شعار الاستقلال ليحققوا نجاحاً بكسب أصوات البسطاء من عامة الناس. بسبب قصور ربما في الوعي السياسي والثقافة.
لكن علينا أن لا ننكر بأن هناك مستقلين حقيقة لا يرغبون أن يصنفوا على أنهم من هذا التيار أو ذاك، لكن المشكلة التي نحن بصددها هي أدعياء الاستقلالية وهم غير مستقلين. علينا أن نتيقن ونتأكد من مدى صدقية المدعي بالاستقلال، وماذا يعني بهذا المصطلح.
لقد اختلطت في دولنا النامية المفاهيم، وأصبح صعباً التمييز بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي وبناء عليه لا بد من الحذر والتدقيق لأن المصطلحات مثل الاستقلال لها مفاهيم قد يستخدمها البعض بعيداً عن المصلحة العامة للناس، وقد تكون صادقة لكن المهم كيف نعرف أن أغلبها ليس كذلك، الذي يحدد ذلك الثقافة ومدى الوعي السياسي لدى المواطن.
ومما يلفت الانتباه أن بعض أولئك الذين يدعون الاستقلالية في الرأي والموقف نكتشف بعد فترة بأنهم منتمون لتيار معين وأنهم قد استغلوا ذلك المصطلح، ويلاحظ الكثيرون بأن عدداً من القوى السياسية والدينية السياسية في دولنا تستخدم ذلك في الانتخابات وقد تجني ثماراً بنجاح بعض مرشحيها (المستقلين) ولكنها بكل تأكيد قد خلقت ارتباكاً واضطراباً واستغلت العامة من الناس، وربما أوصلت بذلك النهج أناساً إلى مواقع هم لا يستحقونها.
إن بعض العناصر لها ارتباطاتها الحزبية والسياسية تطرح نفسها على أنها مستقلة لماذا؟! لماذا لا تكشف عن هويتها الحقيقية؟، يكون الرد هذا جزءا من العمل السياسي، انه جزء من الخداع السياسي لكسب أصوات الأغلبية الصامتة والتي يكون فيها وعيها السياسي محدوداً ولأن تلك القوى تخشى عدم قناعة الناس بأطروحاتها فتلجأ إلى ذلك الأسلوب.
وكثيرون يتجهون لانتخاب ما يسمى بالمستقلين لعدم قناعتهم بتلك القوى وخطابها، ويبقى السؤال من هم المستقلون فعلاً؟ أثناء الحدث تختلط الأوراق لكن مع الوقت وبعد انتهائه يكتشف المواطن حقيقة الأمر عندها يشعر بأنه خدع ويبدأ الشك والشك ليس جريمة وإنما كما يقول ديكارت الشك طريق اليقين.
إننا أمام ظاهرة اسمها المستقلون وبخاصة في الانتخابات العامة في مجالسنا النيابية أو في مؤسسات المجتمع المدني أو غيرها في بلداننا تستحق التأمل، فهل هذا تيار جديد اسمه المستقلون لكن كيف نحدد ملامحه وفكره؟ فهو خليط غير متجانس، ولا يعبر عن اتجاه أو تيار أو ثقافة لها أسسها ووضوحها ويمكن أن يكون أولئك من أغلب التيارات، ويمكن أن يكونوا بعيداً عنها وعن السلطات وهم مستقلون فعلاً. فهل هي ظاهرة في حياتنا السياسية، وكيف نتعامل معها؟
أو أن هذا السؤال يحتاج إلى البحث والدراسة لكن المهم أن ندرك حجم وتأثير أولئك المستقلين. إن اصطفاف عدد كبير منهم خلف ذلك المصطلح يفسح المجال أمامهم لكسب الناخبين، والفوز بما يريدون، وفي نفس الوقت يستطيعون بذلك الاقتراب من السلطة للحصول على مواقع مهمة بعد انتخابهم أو حتى بعد فشلهم.
ومن خلال دراسة متأنية لمرشحين ونتائج الانتخابات العامة في عدد من دولنا نعتقد بأن عدداً من المستقلين لا هم مستقلون ولا يحزنون، وأن الناس قد أدركوا حقيقة أولئك، وعرفوا دوافع واتجاهات ما يسمى بالمستقلين مع علمنا بأن بعض المستقلين كانوا صادقين في حملهم لذلك الشعار.
إن المراقب لهذه الظاهرة يكتشف بأنها جزء من التراث السياسي في العالم الثالث الذي أطلقنا عليه الثالث عشر لشدة تخلفه وقد يرد علينا البعض بأن استخدام هذا المصطلح موجود في العالم وحتى العالم الأول المتقدم، والجواب نعم ولكن معظم أولئك المستقلين في العالم المتقدم مستقلون فعلاً. ونحن لا ننكر أن مسألة الاستقلال بالرأي موقف إيجابي لكن في ظل واقعنا السياسي والاجتماعي المضطرب لا نريد استغلال الاستقلال.
كاتب كويتي
