منذ عهد الشباب وأنا أعتبر إنجلترا بلدي الثاني. وقلما يمر يوم وأنا أدير أعمال مجموعتي لا أتلقى فيه اتصالاً منها. ودائماً ما كان خياري المفضل للهرب من كل مشاغل الدنيا، هو أن اصطحب عائلتي وأمضي إلى بيت العائلة في الريف البريطاني الجميل. هناك، كنت ولا أزال أستمتع حتى بأكثر الممارسات الحياتية بساطة، كالمشي أو الذهاب إلى البقالة عند ناصية الشارع. الحياة هناك توحي بالبساطة الشديدة وتحمي الإنسان من المفاجآت على نحو يمكنه من التركيز على ما هو مهم فعلاً.

مع ذلك فقد عشت هناك أيضاً يوماً غير عادي لا يمكن أن أنساه. كان ذلك في 21 يونيو الماضي وأنا أحضر بطولة كأس الحبتور رويال وندسور للبولو في منتزه وندسور غريت بارك، والتي حضرتها أيضاً الملكة إليزابيث الثانية وزوجها الأمير فيليب.

لم يكن للمتعة حدود هذا العام وأنا أتابع مع الأصدقاء من مختلف بقاع العالم، ومن الإمارات بالطبع، فريق أبنائي وهم يهزمون فريق أحفادي بنتيجة 5-3. وحتى أولئك غير المولعين برياضة البولو عاشوا تجربة رائعة في ذلك اليوم وهم يلمسون كل ذلك القدر من الأناقة والجمال خلال متابعتهم لاستعراض عربات الخيل الملكية. كما كانت المناسبة أيضاً حدثاً لا ينسى، حيث رافقت الملكة وهي تتوج الفائزين واستمتعت بالحديث إليها واكتشاف أن خبرتها بالبولو لا تقل أبداً عن عشقها لهذه اللعبة.

وقد ردد البعض علي السؤال عن السبب الذي دفعني لاختيار الشراكة مع نادي غاردز للبولو لاستضافة هذه البطولة. الحقيقة، هي أن الإجابة على هذا السؤال تنقسم إلى شقين.

من جانب كنت أريد أن أقوم بشيء لترويج رياضة البولو، ورأيت أنه ليست هناك من مناسبة أكثر أهمية وشهرة من بطولة كأس رويال وندسور وهي الأعرق من بين المنافسات التي ينظمها النادي. وقد كنت طوال حياتي من عشاق «رياضة الملوك» هذه وسرّني كثيراً أن يكون ولداي، محمد وراشد، قد اختارا ممارستها.

ومن جانب آخر، ولعله الأكثر أهمية هنا، هو أنني أردت أن يكون ذلك بمثابة الاحتفاء بتلك العلاقة الخاصة التي طالما جمعتني ببريطانيا، وتلك العلاقة الخاصة التي تجمع أيضاً بلادي، الإمارات العربية المتحدة، ببريطانيا. حين نسمع بعبارة «علاقات خاصة» اليوم تقفز إلى الذهن مباشرة أشياء من مثل اتفاقيات جيوسياسية أو معاهدات عسكرية. صحيح أن هذه العلاقة الخاصة قد بدأت على هذا النحو، إلا أنها تطورت مع الزمن لتأخذ مستوى أكثر عمقاً بكثير.

العلاقات الرسمية بين البلدين تعود إلى زمن بعيد جداً. وكانت أولى لبنات هذه العلاقة قد وضعت عام 1820 حينما عرضت بريطانيا توفير الحماية لما كان يعرف حينها ب«الإمارات المتصالحة»، مع التأكيد على أن ليست لديها أية أطماع في الأرض أو النية للتدخل في الشؤون الداخلية. وتم إنهاء تلك المعاهدة ودياً عام 1971 حين تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، لتبقى الدولتان حليفين قويين.

ولبريطانيا باع طويل أيضاً في التاريخ الجوي للإمارات، ففي 1929 بدأت القوارب الطائرة البريطانية باستخدام مياه إمارة أبوظبي لتكون قاعدة رئيسية لها، فيما بدأت باستخدام جزيرة بني ياس كقاعدة تزود بالوقود. وفي 1932 بنت خطوط إمبريال الجوية البريطانية مطاراً في الشارقة يتضمن نزلاً لركابها للاستراحة في الطريق إلى الهند.

ومنذ نشأتي وأنا أسمع الكثير من القصص المثيرة من شيّاب العائلة عن مغامرات المستكشف والمصور البريطانيين، ولفريد ثيسغر الذي عبر الربع الخالي مشياً والذي جمعته بالإمارات علاقة حب لم تنته إلا مع موته عام 2003. حينها كنا نعرفه باسم مبارك بن لندن. وأذكر أيضاً بريطانياً آخر كان له أثره المهم، وهو رونالد كودري الذي أصبحت كتبه وألبومات صوره مرجعاً مهماً لتاريخ الإمارات.

وطوال العقود الماضية كان أفراد العائلة المالكة البريطانية من الزوار المتكررين لدبي، كما أن للعائلة الحاكمة في دبي علاقات شخصية قوية بانجلترا.

بريطانيا اليوم هي من أكبر شركائنا التجاريين، وتبلغ صادرات الإمارات لبريطانيا قرابة 2 مليار دولار أميركي سنوياً. وتشهد أعمال الشركات البريطانية ازدهاراً كبيراً في الإمارات، وتضم مجموعة الأعمال البريطانية أكثر من 1450 عضواً مما يجعلها الأكبر من نوعها في المنطقة.

ويعيش في الإمارات حوالي 120 ألف بريطاني يعملون فيها، فيما يقصد الإمارات حوالي مليون سائح بريطاني سنوياً. ولهذا لا غرابة أن مواطني الإمارات قد اعتادوا على بعض من أفضل أوجه الثقافة البريطانية، وآمل أن البريطانيين أيضاً الذين يرون في الإمارات بلدهم الثاني قد فهموا ثقافتنا ويحترمونها.

كأس الحبتور رويال وندسور للبولو بالنسبة لي هو أكثر من بطولة رياضية. إنه تجسيد للصداقة المتنامية بين الإمارات وبريطانيا، وهي الصداقة التي أجدني واثقاً من أنها ستنمو وتتعمق مع الزمن.

رجل أعمال إماراتي