عندما أعلن قيام «جمهورية الصين الشعبية» في عام 1949 لم يكن متوسط دخل الفرد فيها أكثر من مثيله في الدول العربية المستقلة في ذلك الحين ان لم يكن أقل. والآن وبعد مرور 60 عاما نتساءل: أين الصين وأين الدول العربية؟

في الذكرى الستين التي حلت الأسبوع الماضي خاطب الرئيس الصيني «هوجينتاو» الجماهير قائلا إن تطور وتقدم الصين يثبت بشكل تام أن الاشتراكية وحدها هي التي أنقذت البلاد بعد أن انتقلت بها إلى طريق للنهوض متسارع الإيقاع. وسواء اختلف المنظرون في الدول العربية ودول العالم الثالث عموما أو اتفقوا حول جدوى أو عدم جدوى النهج الاشتراكي بالمقارنة مع نهج اقتصاد السوق الحر فإن نجاح التجربة الصينية الماثلة أمامنا يتحدى أي تنظير.

والسؤال لا يزال مطروحا: لماذا نجحت الصين وفشلت الدول العربية؟.. واستطرادا نتساءل أيضا ما هي عناصر النجاح التي توفرت للتجربة الصينية الفريدة؟

العنصر الأعظم في هذه التجربة هو الأخذ بنهج التخطيط المركزي على المستوى الأعلى للسلطة. فقد فطنت القيادة الصينية إلى أن من المستحيل إنشاء اقتصاد وطني سليم وقابل للتطور السريع في دولة نامية فقيرة دون سيطرة الدولة على الحركة الاقتصادية تخطيطا وتنفيذا. فهذه المهمة العظمى أجل وأعظم من أن تترك لقطاع خاص لا هاجس له سوى تعظيم الربح بأي ثمن ـ حتى لو كان الثمن تجاهل البرمجة التنموية.

ومن أجل ضمان سلامة التخطيط والتنفيذ عزفت القيادة الصينية عمدا عن التعامل مع المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية ـ مثل صندوق النقد الدولي ـ التي تفرض على الدول النامية شروطا لا تزيدها إلا فقرا على فقر كإجبارها على تبني برامج خصخصة وتخفيض قيمة العملة الوطنية علما بأن هذه المؤسسات تخضع تماما لسلطان منظومة الدول الرأسمالية.

لقد فضلت القيادة الصينية الاعتماد على الذات كفلسفة اقتصادية واجتماعية أساسية.

ويقول المنتقدون في الغرب إن الإنجازات الاقتصادية الصينية جاءت على حساب الحريات المدنية كحرية التعبير وحرية التجمع إلخ. لكن هؤلاء النقاد يتجاهلون عمدا ما يتمتع به المواطن الصيني من حقوق اجتماعية بما في ذلك الغذاء الضروري المدعوم والسكن الصحي والعناية الطبية وتعليم الأبناء. وكل ذلك بالمجان أو بأسعار رمزية. كما يتجاهل النقاد الغربيون في هذا الصدد حال المواطن في الدول النامية الذي سلبته الطبقة الحاكمة الحرية والخبز معا..

ويبقى السؤال مفتوحا: لماذا تحولت الصين خلال ستة عقود إلى مستوى الاقتصاد العالمي الثاني بينما بقيت الدول العربية أسيرة الفقر والمرض والجهل؟