هل انتهى الحديث عن المبادرة الأميركية التي وعد بها الرئيس أوباما منذ بداية حكمه، وانتظرناها (وانتظرها العالم كله معنا) بهذه السطور التي جاءت في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة؟ صحيح أن الخطاب كان مهماً ومعبراً عن روح جديدة في التعامل مع العالم من منطلق الشراكة لا الهيمنة، ومن باب احترام الشرعية الدولية لا الانقلاب عليها كما كان الحال مع الإدارة الأميركية السابقة، وصحيح أن الرئيس الأميركي لم يستجب للضغوط الإسرائيلية فأشار في خطابه إلى أن القدس والحدود واللاجئين هي من القضايا المطروحة على مفاوضات الحل النهائي وأشار من جديد إلى عدم القبول بشرعية استمرار الاستيطان..

لكن هذا كله لا يغني عن مبادرة متكاملة تضع التصور الكامل للحل النهائي، لأن اعتبار حديث أوباما أمام الأمم المتحدة هو المرجعية المطلوبة والكافية لبدء المفاوضات (وهو ما بدأ الترويج له حتى من جانب أطراف عربية) لن تكون له من نتيجة الا الوصول إلى حائط مسدود، وإعطاء إسرائيل الفرصة الكاملة لاستكمال مخططاتها في التوسع الاستيطاني واستكمال تهويد القدس وتقطيع أوصال الضفة لكي تقتل كل فرصة فعلية لإقامة الدولة الفلسطينية المقترحة.

وإذا كانت الإدارة الأميركية قد أخطأت في أسلوب اقترابها من القضية، بالتعامل مع حكومة نتنياهو على أنها حكومة يمكن أن تكون شريكا في صنع السلام الحقيقي فكانت النتيجة فشلاً هائلاً في إرغام حكومة نتنياهو على إيقاف الاستيطان، والقبول باستئناف المفاوضات من حيث توقفت.. فإن الخطأ الأكبر كان من جانبنا نحن حين استقبلنا الإدارة الأميركية الجديدة بتوجهاتها الايجابية نحو بناء علاقة جديدة معنا، بالاكتفاء بموقف الانتظار والرهان على قدرة إدارة أوباما على صنع المعجزات، وتوهم أن أحداً (مهما كانت نواياه الطيبة) سيحارب معاركنا نيابة عنا.

كان المفروض أن ندرك أن أعظم ما نساهم به في دعم الموقف الأميركي الجديد هو أن نقول بوضوح تام انه إذا كان السلام والاستقرار في المنطقة مصلحة أميركية (كما يقول الرئيس أوباما) فإن ذلك لا يتحقق إلا من خلال إقرار أميركي واضح بالالتزام بقرارات الشرعية الدولية بإنهاء احتلال الأرض العربية الواقعة في قبضة إسرائيل منذ 67 وإقامة الدولة الفلسطينية وإقرار حقوق الشعب الفلسطيني مقابل الاعتراف بإسرائيل بالشروط التي وضعتها المبادرة العربية التي ينبغي أن تكون آخر التنازلات !!

لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، ووقفنا ننتظر (كعادتنا) نتائج محاولة إدارة أوباما انتزاع موافقة حكومة نتنياهو على وقف الاستيطان وهي المحاولة التي فشلت تماما وانتهت بتراجع أميركا إلى مجرد تمني «ضبط» عملية الاستيطان من باب حفظ ماء الوجه. ومع ذلك انعقدت القمة الثلاثية ليحتفل نتنياهو بانتصاره، ويتفادى أوباما الاعتراف بالفشل.

ويكون وجود أبو مازن إعلانا على الخيبة القوية فلسطينيا وعربيا في التعامل مع موقف بدأ بالأمل مع مجيء أوباما وانتهى بالموت الفعلي لمحاولته قبل أن تبدأ لان في إسرائيل حكومة لا تؤمن بالسلام، وفي العالم العربي نظام لا يعرف كيف يستخدم الأوراق التي يملكها، وفي أميركا لوبي صهيوني يعرف كيف يضغط على الإدارة الأميركية التي تعاني من مشاكل داخلية وخارجية هائلة.

والأخطر من كل ما جرى، هو أن الأمور تسير نحو فرص استئناف التفاوض بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل (في اقرب وقت) كما تطلب واشنطن! وبدون وقف الاستيطان وبدون مرجعية حقيقة للتفاوض. والأشد خطراً أن نجد دوائر رسمية عربية توافق على ذلك وتطالب بالاكتفاء بالسطرين اللذين قالهما أوباما أمام الأمم المتحدة كمرجعية والدخول في التفاوض بزعم أن ذلك يمنع نتنياهو من تضييع الوقت في الخلاف حول الاستيطان، وأن وجود أوباما فرصة ينبغي إلا تضيع حتى ولو كان عاجزاً عن فرض أي شيء على إسرائيل التي وصل إجرام أنصارها في أميركا لحد الدعوة لاغتياله!

وبدون «لا» عربية كبيرة لكل هذا المخطط فإن الكارثة سوف تتعدى كل ما سبق. لان ما يطرح ببساطة ليس إلا شروط نتنياهو التي حددها بدقة.. فهو يرفض الالتزام بإنهاء التفاوض خلال عامين، ويرفض الدخول في تفاوض نتائجه محددة ومعروفة سلفا (أي الالتزام بمرجعية واضحة ومفصلة) ويرفض أي حديث حقيقي عن وقف الاستيطان أو مستقبل القدس.. وبعد ذلك فلا مانع عنده من المفاوضات التي ربما ستنتهي بحصول السلطة على رخصة هاتف مقابل التعهد بسحب أي طلبات لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين دوليا وهكذا يتمتع الشعب المحاصر الجائع المهان بحق الثرثرة في الهاتف الجواّل.. واللهم لا حسد!!

«لا» عربية مطلوبة لهذا النهج.. ليس فقط من أجل مساندة الفلسطينيين، بل من أجل مساندة أوباما نفسه.. فليس هناك من دعم للرئيس الأميركي وهو يواجه الأزمات الداخلية والخارجية إلا أن يكون هناك وجود عربي تدرك معه كل مراكز التأثير في واشنطون أن اللوبي الصهيوني ليس وحده في الميدان، وأن الخضوع لابتزاز إسرائيل سوف يؤدي إلى تعرض المصالح الأميركية للخطر.. وبدون ذلك يصبح التفاوض دعوة مفتوحة لكي تفرض إسرائيل شروطها علينا ولكي يخسر أوباما معركته نهائياً !!

كاتب صحافي مصري

elsadattt@hotmail.com