أخيراً، جاء اللقاء الثلاثي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، والذي جمع كلاً من الرئيس الأميركي باراك اوباما مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليكسر كل التكهنات والتوقعات التي سبح البعض في أوهامها، من الذين كانوا يعتقدون بأن اللقاء لن يعقد على خلفية الرفض الفلسطيني لمنطق التشدد الإسرائيلي من جهة.

وعلى خلفية فشل المبعوث الأميركي للمنطقة السيناتور جورج ميتشل في تحقيق أي من الأهداف التي سعى إليها في زيارته السادسة الأخيرة، لجهة «وقف أو حتى تجميد» عمليات التهويد الإسرائيلية المتسارعة بحق الأرض الفلسطينية خصوصاً في منطقة القدس وفي أحيائها العربية في الجزء الشرقي منها.

فاللقاء الثلاثي عقد، بعد ضغوط سلطت على الطرف الفلسطيني، وهي ضغوط أقر بها واعترف بحدوثها الرئيس محمود عباس الذي ذهب إلى اللقاء على غير رغبته كما أشارت لنا العديد من المصادر من داخل البيت القيادي الفلسطيني الرسمي، فجاء اللقاء ليبدد سحب القنابل الدخانية التي أطلقت من قبل الطرف الفلسطيني الذي أعلن على لسان أكثر من ناطق باسمه بأن اللقاء لن يعقد مادامت الأمور مازالت بعيدة عن سكة الإقرار الإسرائيلي بوقف عمليات الاستيطان والتهويد.

لكن التبرير الفلسطيني اللاحق بعيد التئام أطراف اللقاء الثلاثي استدار للقول إن للقاء أسبابه، وأن اللقاء لا وظيفة تفاوضية له، بل وظيفته محاولة فقط لكسر الجمود ونزع الأعذار، وتفويت الفرصة على بنيامين نتنياهو، ومن منطلق محاولة خلق الشروط المناسبة للعودة للمفاوضات (لاحظوا أن الكلام إياه، وبذات الجمل يتكرر منذ العام 1991)، وأن الفلسطينيين يريدون استئناف المفاوضات من النقطة التي انتهت إليها في أنابوليس، والتعامل مع كل الموضوعات الجوهرية، وهي القدس والمستوطنات والحدود والمياه واللاجئين والأمن (... كلام يعاد إنتاجه).

مقابل ذلك، راوح الموقف الإسرائيلي مكانه، بل وضاعف بنيامين نتنياهو من صلافته وغطرسته حين عاد لتكرار مواقفه السابقة مطالباً الفلسطينيين بعدم وضع شروط مسبقة في إشارة لموقفهم القائل بضرورة وقف عمليات الاستيطان والتغيير الديمغرافي الجارية فوق الأرض الفلسطينية (ويا للسخرية فقد بات وقف الاستيطان شرطاً مسبقاً من الوجهة الإسرائيلية...

وقد يصبح كذلك من الوجهة الأميركية حال تواصل الانحدار على ماهو عليه). وزاد الفاشي أفيغدور ليبرمان وزير خارجية نتنياهو في الطنبور نغماً، عبر تصريحات تفوه بها بعيد اللقاء الثلاثي أعاد فيها الحديث عن الاشتراطات الفلسطينية (أي وقف الاستيطان) مقابل التسامح الإسرائيلي من نمط تقليل عدد الحواجز في الضفة الغربية التي قطعت أوصال القرى والبلدات والمخيمات والتجمعات السكانية (أي أن التسامح الإسرائيلي وفق منطق ليبرمان يبرز عبر تخفيف سياسة القمع والقبضة الحديدية بتقليل عدد الحواجز).

وفي هذا السياق، جاءت كلمة الرئيس باراك أوباما في الجمعية العامة للأمم المتحدة لتزيل الغموض عن الكثير من القضايا التي كان البعض يتحدث بشأنها، وبشأن الموقف الأميركي تجاهها، وتحديداً بالنسبة لما يسمى يهودية إسرائيل، وقضايا الاستيطان التهويدي الجائر الجاري فوق الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967.

فقد أعاد أوباما تكرار موقف إدارته القائل ان «إسرائيل دولة يهودية» ( لاحظوا ان تعبير الدولة اليهودية مسألة بات الحديث يتواتر بشأنها في السنتين الأخيرتين مقابل تصاعد الحديث عن انسداد أفق حل الدولتين وانبثاق فكرة الدولة الواحدة داخل أوساط إسرائيلية وفلسطينية وحتى دولية أسوة بنموذج جنوب إفريقيا) وفي هذا القول إشكالية كبيرة ستدفع بدورها نحو وضع المزيد من كتل العطالة الثقيلة الوزن أمام قاطرة التسوية على المسار الفلسطيني/الإسرائيلي المتوقفة أصلاً.

كما أن حديث الرئيس باراك أوباما في خطابه الأممي عن الاستيطان التهويدي جاء بعبارات عامة، لاجديد فيها من جهة نعومتها وطراوتها، ومن جهة منطقها الاستجدائي البعيد عن لغة الحزم المباشر في مواجهة غطرسة نتنياهو وتكتل اليمن التوراتي والعقائدي الصهيوني في الحكومة الإسرائيلية المؤتلفة أيضاً مع حزب العمل المحسوب على تيارات اليسار الصهيوني (يا للسخرية...)، فكانت فقرات خطاب أوباما المتعلقة بفلسطين ليست أكثر من عبارات تسويقية لموقف أميركي معلن ومعروف بشكل مسبق.

وهنا فان غطرسة نتنياهو تتغذى من نسغ الموقف الأميركي وميوعته، فالولايات المتحدة قادرة بكلمة واحدة على إجبار إسرائيل على وقف تجاوزاتها ووقف عمليات الاستيطان، ولنا أكثر من مثال حي على ذلك. وعليه، لا جديد في الخطاب الأممي للرئيس أوباما، وأن رياح الأحداث التي وقعت خلال الشهور الثلاثة الماضية ذهبت بمعسول الكلام الذي كان قد أعلنه أوباما من على منصة جامعة القاهرة في يونيو الماضي.

وتالياً، فالفلسطينيون، وعلى الأرجح، أمام مرحلة جديدة يعاد فيها استنساخ مشروع جديد يرتكز على مبنى من الأوهام عنوانه (حل أوباما)، وهي مرحلة ستجعل من الفلسطينيين اللاهثين قراءة الفاتحة، على مشروع خارطة الطريق بصيغته الأساسية حين أطلقه الرئيس السابق بوش قبل أن يتم إدخال التعديلات عليه.

كاتب فلسطيني/دمشق

bdwan60@aloola.sy