ترحيل تقرير غولدستون، إلى مارس المقبل، صفعة للعدالة الدولية بقدر ما هو إصرار على ازدواجية المعايير؛ عندما يتعلق الأمر بإسرائيل. فهو يقطع الطريق على متابعة خطوات اتهامها بارتكاب جرائم حرب؛ في عدوانها على غزة. بل يبدو وكأنه أشبه بالمخرج المؤدي إلى وضع التحقيق وتوصياته في الثّلاّجة وبالتالي اغتياله على البارد. فإرجاء مجلس حقوق الإنسان، التصويت على قرار يتبنى التقرير ويرفعه إلى مجلس الأمن؛ لم يكن له ما يبرره سوى النيّة لدفن الموضوع، ولو بالتقسيط.
لاسيما أن التأجيل حصل تحت ضغوط قوية وصريحة مارستها واشنطن ودعمتها، كالعادة، العواصم الأوروبية. وكانت الجهات الضاغطة هذه قد أعربت عن سخطها، عندما طلب المحقق غولدستون قبل أيام، من المجلس الموافقة على خلاصة تقريره ورفعه إلى مجلس الأمن الدولي، لاتخاذ الخطوات اللازمة بشأنه. مجرد توجيه إصبع الاتهام لإسرائيل بمثل هذه الجرائم، غير مقبول من جانبها.
ناهيك إذا كانت الشبهة قوية وكان إدخال الحليف المدلّل في قفص المحاكمة أمام الجنائية الدولية. تعليل التأجيل جاء تحت ذريعة أن هناك حاجة لإعطاء المزيد من الوقت؛ كي تأتي التحقيقات المطلوبة جديرة بالثقة. تسويق ضعيف، لا يقوى على حجب حقائق ثلاث. أولها أن إدارة الرئيس أوباما تواصل العمل بنفس قواعد اللعبة القديمة. الأساس الذي ترتكز إليه، هو ضرورة مراعاة حساسيات إسرائيل في كل الحالات؛ لتطمينها وتطييب خاطرها، لعلها تأمن وبالتالي تتكرم بتليين مواقفها والتجاوب مع ما يطلب منها.
رهان خاسر، لم تثبته التجارب السابقة فحسب، بل أيضاً تجربة هذه الإدارة نفسها. بعد ست جولات قام بها مبعوثها الخاص إلى المنطقة؛ وبعد لقاءين مع نتانياهو في البيت الأبيض وتصريحات ومطالبات وتقديم ضمانات إضافية عديدة؛ فشلت في حمل نتانياهو على التزحزح بوصة واحدة عن موقفه بشأن الاستيطان. الأسوأ أنها انصاعت بالنهاية وطرحت وجوب العودة إلى المفاوضات بشروط زعيم الليكود.
الحقيقة الثانية، هي أنه تمّ زجر العدالة الدولية، لأنها تجرأت على تسليط الضوء على شبهات قوية تدين إسرائيل. ثم أخيراً، أن هذا التأجيل ـ حتى لو كان فعلياً لمدة ستة أشهر فقط ـ من شأنه تنفيس زخم مطاردة إسرائيل باسم القانون الدولي؛ عدا عن كونه يؤكد على استمرار سياسة الكيل بمكيالين وما ينطوي عليه ذلك من تآكل متزايد لهيبة العدالة الدولية وخطوطها الحمراء. إن ترحيل القرار، خدمة مجانية لإسرائيل. بل هو برهان آخر على أنها لا تزال تنعم بالموقع الممتاز، الذي يضعها فوق القوانين المفترض أن لا يعلو عليها امتياز. وفي ذلك تخريب لنظام ينبغي تعزيزه وليس تسخيفه.
