لا شك في ان اسرائيل تمارس ضغوطا هائلة لتعطيل أي مساع تصب في صالح الفلسطينيين، والشعب الفلسطيني بلا شك معذور كل العذر، بمن فيهم قياداتهم ، اذا عجزوا عن تمرير قضية او ملف ضد اسرائيل في أي محفل دولي. ومن ثم فإن التساؤلات وعلامات الاستفهام لا تدور حول أي موقف فلسطيني او أي (استعداد) لتحريك قضية ضد اسرائيل، فهو شعب واقع تحت الاحتلال، أي منتقص السيادة ومنتقص القدرة، وهذا الانتقاص ليس عادئا الى سبب فلسطيني بقدر ما هو عائد الى من يعلنون انهم داعمون للقضية الفلسطينية ويعتبرونها قضيتهم القومية الأولى. ونحن الآن امام موقفين يثيران الحيرة والتساؤل بل والدهشة لعدم وجود موقف عربي واضح منهما:
الاول: حين تقدمت طفلة فلسطينية بشكوى الى المحكمة الجنائية، لمحاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين ، اقتضت الأعراف الدولية ان يعزز مطلب الطفلة الفلسطينية (أميرة) مطلب مماثل من دولة ذات سيادة وحسب آخر التقارير الاخبارية ذات الصلة لم تتقدم أية دولة لتعضيد شكوى الطفلة الفلسطينية، بما في ذلك الدول العربية او حتى جامعة الدول العربية ، كما لم تتقدم دولة حتى الآن من الدول الاسلامية التي تتخذ من القضية الفلسطينية مادة للسجال السياسي على المسرح الدولي.
ويتعلق الموقف الثاني بالمشهد المؤسف والمؤلم المصاحب لتقرير جولدستون حول جرائم الحرب الاسرائيلية في قطاع غزة خلال عدوان يناير الماضي حيث تردد مجلس حقوق الانسان في إصدار توصية بإحالة ملف العدوان الاسرائيلي على غزة الى المحكمة الجنائية الدولية او مجلس الأمن بعد تهديد نتنياهو الصادر امس الأول بتعطيل المسيرة التفاوضية، وهددت حكومة اسرائيل السلطة الوطنية الفلسطينية بوقف كل الاتفاقات المتعلقة بتحسين احوال البنية التحتية للمجتمع الفلسطيني في الضفة وغزة. وهذا تهديد خطير ويعني في حالة تطبيقه ان تصبح الضفة الغربية تحت حصار مماثل لذلك المفروض على قطاع غزة ، وبلا شك فإن هذا الامر يفوق احتمال الشعب الفلسطيني وقياداته والتي تسعى الى الموازنة بين العمل السياسي على ملف التفاوض بصبر وطول نفس، وبين توفير احتياجات الشعب الفلسطيني الأساسية التي تكفل له العيش والصمود لإحباط مساعي اسرائيل نحو تحطيم إرادة ذلك الشعب الصامد وتحويله الى قوة ضغط على قادته لقبول التسويات المنتقصة والمجتزأة امام ضربات وإلحاح الحاجات اليومية الضرورية.
ان مهمة ردع اسرائيل هي مهمة دولية في الاساس وعلى الدول التي (تتاجر) بالقضية الفلسطينية ان تلتزم جانب الشفافية في مواقفها ومعالجة الشق السياسي والدولي في القضية بأمانة ونزاهة وايضا بشجاعة يكفلها مفهوم (السيادة) الذي تتمتع به هذه الدول ولا يتمتع به الشعب الفلسطيني بصفته شعبا واقعا تحت الاحتلال.
ان العقل البشري يصعب عليه تصور ان يكون العالم بكل دوله ومؤسساته وهيئاته العاملة في الشأن الدولي عاجزا كل هذا العجز امام دولة متمردة على كل الأعراف والشرائع الدولية الى هذا الحد ثم يتشدقون بالتزامات شفاهية حول السلم والأمن الدوليين.
