لاحقت محكمة الجنايات الدولية الرئيس السوداني عمر البشير، وسابقاً طالبت بمحاكمة دكتاتور «تشيلي بينوشيه» الذي أعتقل بإحدى الدول الأوروبية لمحاكمته، لكن خزانة معلوماته والوثائق التي يملكها أعفت عنه، ولا يزال مجرمو الصرب في الزنزانات التابعة لمحكمة العدل الدولية..
إسرائيل رأت في تقرير «غولدستون».. الذي أدانها بجرائم حرب في غزة، قد يطال كل زعمائها، لكن في سابقة أخرى عندما وضعت بريطانيا الزعماء المؤسسين لإسرائيل على قائمة الملاحقين بجرائم مماثلة، لم يعتقل أي منهم، والأخيرة ستنسحب على الأولى، إلا إذا انفردت دولة ما في تطبيق العقوبة، وهو أمر غير محتمل، لأن المحاكم تلاحق فقط من لا يكون في عهدة أوروبا وأمريكا..
نتنياهو، بادر بالتحذير، وهو الذي تلاحقه جرائم أكبر، وقد هدد في حال صدرت قرارات تطال زعماء بلده، أن ينسحب من مفاوضات السلام، وكأن هذا الشرط ليس قائماً منذ مؤتمر مدريد، لكن مغزى أن يتخذ القرار، حتى لو لم يعمل به، فإشاعته بين قوى العالم ومحاكمها ومراكز حقوق الإنسان وتتبناه الأمم المتحدة، يجعل العقوبة معنوية، لأن إسرائيل حذرة من نشر صورها الحقيقية، واستطاعت الدفاع عنها، وتجنيد المحسوبين عليها باتخاذ نفس ردود الفعل والمواقف المضادة لأي عمل يطالها أو يتبنى الإضرار المادي أو المعنوي بها..
ولأن الشكاوى والضغوط جاءت دولية وليست عربية أو إسلامية، فقد أخذ الاعتبار لهذا السبب، لكن الحقوق وتطبيق النظم بحقها عملية فضفاضة تقاس بقدرة تأثير كل دولة على القرارات الدولية وحرفها عن سياقها، وإسرائيل بحكم هذه الأسباب بريئة حتى لو تكاثرت جرائمها، لأن ما حدث أثناء الاعتداء على غزة لم يثر حفيظة أي دولة أجنبية، وحتى وسائل الإعلام تجاهلت الجريمة، وحجبت الكثير من الأخبار، وركزت على حق إسرائيل مكافحة الإرهاب الفلسطيني، ولا ندري ما هو التفسير الموضوعي للإرهاب، هل قتل الأطفال والعجائز، وإحراق أحياء بكاملها لا يدخل في هذا البند؟
لقد لوحقت تركيا بسبب الأرمن، والألمان بسبب المحرقة وانتزعت اعترافات واعتذارات من اليابان على جرائمها، لكن أن تحدث مذبحة في فلسطين، أو العراق، أو أفغانستان، فإن المبرر موجود، أو التجاهل يأتي أبلغ من الإثارة، لكن الأسير «شاليط» حرك عواطف ألمانيا وإنسانية بريطانيا وحضارية أمريكا وفرنسا رغم أنه جندي قاتل يصدق عليه قرار الأسر، ومع ذلك تبقى المعادلة تأتي لصالح من يستطيع تحريك العالم بأتفه الأسباب..
المعركة مع إسرائيل ليست مع العرب والعالم الإسلامي، وإنما مع شرعيات وقوانين دولية، ومع ذلك فهي فوق الشبهات وأعلى من القوانين لأن مجرد تحريك «اللاسامية» يجعل الغرب كله ينتفض..
