الطلب الذي تقدم به القاضي ريتشارد جولدستون رئيس لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة التي حققت في العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة بإحالة تقرير اللجنة إلى مدعي المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في "جرائم حرب" و"جرائم محتملة ضد الإنسانية"، لا يعتبر أول تقرير جريء يخترق ما ينظر إليه على أنه من المحرمات والخطوط الحمراء إذا كان الأمر يتعلق بالكيان الإسرائيلي فحسب، بل إنه في دلالاته ومضامينه يؤكد أن هناك فعلاً ما يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لأن جولدستون انطلق في تقريره من حقائق لا تقبل الجدل أو حتى التشكيك في مصداقيتها شاهدها على الأرض واقعًا في غز.
وهناك الكثير من الأدلة الدامغة ما يثبت صدقيتها ما اضطر القاضي الجنوب إفريقي إلى التسليم بهذه الحقيقة والصدع بالحق خلال تقديم تقرير لجنته أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وما يزيد التقرير تأكيدًا ويمتن ظهر الحقائق التي تضمنها ويعطيها قوة هو أن جولدستون يهودي الأصل والمعتقد والهوى وقد صرحت ابنته نيكول بذلك في معرض دفاعها عن أبيها الذي تعرض لهجوم من قبل المسؤولين الإسرائيليين محاولين التشكيك في ما أثبته في تقريره.
مؤكدة أن والدها "يحب إسرائيل وقد خفف الاتهامات لها" والتي ارتكبت جرائم حرب ضد الفلسطينيين المدنيين، مشددة على أنه "لولا والدها لكان التقرير أشد وأخطر على دولة إسرائيل"، موضحة "أعرف بصورة أكيدة أنه يعتقد أنه يفعل ما هو أفضل بالنسبة للجميع، والجميع يعملون لصالح دولة إسرائيل". وبناء على ذلك فإن جولدستون، رغم ما نطق به من الحق.
إلا أنه قد داهن أو تساهل مع مجرمي الحرب الإسرائيليين عندما حاول أن يضع الضحية والجلاد في قفص واحد وهو قفص الاتهام، فهو ـ وفق ما أكدت ابنته ـ "ترأس اللجنة أملاً منه في أن يتعاون الإسرائيليون معه، وهو يريد المساعدة في إيجاد حل لدولة إسرائيل"، وليس من أجل أن يدينها، وبالتالي فإن إدانة مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لحقوق الإنسان مايكل بوزنر موقف التقرير، رافضًا ما وصفه وحسب تبجحه الممقوت بـ"المساواة على الصعيد الأخلاقي بين إسرائيل، الدولة الديمقراطية التي من حقها الدفاع عن نفسها، وحركة حماس التي ردت على انسحاب إسرائيل من غزة بترهيب المدنيين في جنوب إسرائيل".
بالإضافة إلى محاولة جولدستون المساواة بين الجلاد والضحية تشجع الكيان الإسرائيلي على التمادي في ارتكاب العدوان ومواصلة أساليب الإرهاب المتمثلة في القتل والتهجير والحصار ومصادرة الأراضي وتدمير المنازل، ومن شأن ذلك أن يطيح بمطالبة القاضي جولدستون بترك ثقافة الحصانة في المنطقة التي أكد أنها استمرت أطول ما يجب، ورفضه سياسة الإفلات من العقاب في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والتي وصلت حد الأزمة وبلغت درجة حساسة"، مع أن القاضي الجنوب إفريقي شدد على أن "الغياب الراهن للعدالة يقضي على أي أمل في عملية السلام ويعزز مناخًا يسهل العنف".
ولذلك كان من المهم جدًّا أن ينتبه جولدستون لدى وضعه التقرير ـ رغم كل التقدير للجهود المبذولة لإعداده ـ إلى أن المساواة بين الضحية والجلاد قد تقوض مصداقية تقريره وتحط من قدره وقوته، لأن الأدلة والبراهين التي تميز بين المجرم والبريء ساطعة، فثمة فرق بين شعب أعزل اغتصبت أرضه ومورس ضده جميع ألوان الظلم والنكال، وبين من يقوم باغتصاب الأرض ويمارس إرهابه في وضح النهار وتحت مرأى ومسمع الجميع، وفوق ذلك يمد بمختلف الأسلحة الفتاكة والمحرمة دوليًّا.
إن الخشية أن يتحول هذا التقرير بطريقة ما إلى التسييس فيضاعف من محنة الشعب الفلسطيني المكلوم والمهضومة حقوقه، من خلال مطالبة الكيان الإسرائيلي والسلطات في غزة معًا بحلول ستة أشهر بإجراء تحقيق صادق ينسجم مع المعايير الدولية حول الوقائع وإذا لم يتسجيبا لذلك فإن على مجلس حقوق الإنسان أن يحيل التقرير على مدعي المحكمة الجنائية الدولية، على غرار التسييس الواضح فيما يخص صدور مذكرة الاعتقال بحق الرئيس السوداني عمر البشير، ومحاولات تسييس المحكمة الدولية الخاصة بالتحقيق في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.
ولذلك نتمنى أن تعير الدول الحليفة والممالئة للكيان الإسرائيلي والداعمة له التقرير بشيء من المصداقية والنوايا الحسنة ونصرة المظلوم، والبُعد عن سياسة النفاق والتسييس والدعم المطلق للقادة الإسرائيليين، لأن من شأن ذلك أن يشجعهم على الاستمرار في جرائمهم واستمرار "ثقافة إفلاتهم من العقاب" التي قوضت وتقوض أسس السلام.
