غائب حاضر هكذا هم العمالقة العظماء يرحلون بعد سنوات من العمل والعطاء ومسيرة حافلة بالإنجازات والنجاح، يذهبون عن دنيانا ولا يغيبون عن قلوبنا، ولا عن الأرض التي منحوها كل ما لديهم من حب وبذل من أجل تطويرها ورخاء من فيها.

واحد من هؤلاء الكبار كان الراحل الكبير والدنا الذي لم يغب عن قلوبنا لحظة واحدة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ طيب الله ثراه، وأسبغ على روحه الرحمة والمغفرة ـ ولهذا جاء اختيار مجلة «نيوز ويك» الأميركية المغفور له ضمن عشرة قادة هم الأشهر في العالم، لما لهم من دور كبير وتغيير في مجتمعاتهم ووضعها على طرق التنمية والتطور، فاحتل مكانا بارزا في عنوان «قادة أعادوا صياغة بلادهم جذريا» وبرزت بصماتهم واضحة على الصعيدين المحلي والعالمي.

خصوصية وأهمية الأدوار الكبيرة التي لعبها الراحل في بناء الدولة تكمن في البيئة والأحداث الصعبة التي عاشها الراحل وعلى الرغم من ذلك تمكن بفضل إيمانه العميق بقدرته على صنع شيء والإرادة الصلبة التي تحلى بها من وضع الدولة في مكانة متقدمة على خريطة العالم وجعل لإنسان هذه الأرض شأنا بين شعوب وأمم العالم.

و في الحديث عن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان يغلفنا شجن خاص تختلط فيه مشاعر الاعتزاز والفخر كوننا شعبا لشخصية فذة ودموع لا نملك منعها، تنحدر من المآقي عند أي ذكر لمآثرها لأنها تسكن أرواحنا ونجدها في كل الأرجاء.

رجل ولد كبيراً وعاش عظيماً، فجاء عطاؤه بحجم قامة الشخصية، رجل لا يختلف أثنان في مشارق الكرة الأرضية ومغاربها على كونه أعظم رجال جيله، رجل قلما تنجب الأمهات مثله، رجل وهب نفسه وما يملك من أجل خدمة غيره، وسخر ما قدر له من إمكانيات من أجل إسعاد البشرية.

بدأ بشعبه وأبناء وطنه ومنهم انطلق إلى أشقائه العرب، ثم دخل الأفق الرحب لا يبخل على أحد بما في يديه، سباقا للخير، مجزلا العطاء، ذا فكر ثاقب وحكمة لا تخطئ، تضع الأمور في نصابها وتزنها كما ينبغي، فتأتي الحلول من لدنه ناجعة، لا يعرف قدرها من تجاهل النصح إلا بعد فوات الأوان، والتاريخ يحفظ للمغفور له الكثير من المواقف والمشاهد.

لا غرو في أن يكون لوالدنا مكان محفوظ بين القدر فذلك كان قدره، فالكبير لا مكان له إلا بين العظماء والعمالقة، ولا عجب أيضاً أن نكون محسودين من شعوب العالم بقيادتنا الحالية، فخليفة بن زايد ومحمد بن راشد وغيرهما من رجال الدولة المخلصين نهلوا من مدرسة زايد وتخرجوا في ذلك المصنع الكبير الذي تخصص في صناعة الرجال.

إنه مدرسة العطاء لأبناء الوطن ولأجيال لم تعاصره. لكن أمثال زايد بن سلطان حاضرون لا يغيبون، وماورثوه لشعوبهم وخلفوه لها إنما هو أعظم وأثمن ما يمكن أن يورّثه الوالد لأبنائه.

fadheela@albayan.ae