تمثل تجربة النشر في عالمنا العربي تجربة مشحونة بالكثير من المؤثرات، وبشكل خاص لعبة التوافقات الفكرية واسترضاء القوى المجتمعية المختلفة. فلكل تجربة نشر الظروف الخاصة بها. لكن في الوقت نفسه لا بد من الترحيب بأي إضافة للنشر في المنطقة سواء أكانت دور نشر أو إصدارات جديدة.
وفي هذا السياق تأتي قراءتنا المرحبة بصدور مجلة «آفاق المستقبل» بوصفها مجلة سياسية اقتصادية إستراتيجية تصدر كل شهرين عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية.
ووفقا لافتتاحية العدد فإن المجلة تلتزم أربع قواعد تحاول من خلالها تقديم محتوى جديد للقارئ العربي هي: الانفتاح والبحث عن أفضل الخبراء في العالم في مختلف القضايا العالمية والإقليمية والمحلية، السعي للمزاوجة بين الرأي العلمي المتخصص والخدمة البحثية الميدانية، التنوع النسبي والمدروس، وأخيرا البعد الاستشرافي والتركيز على المستقبل.
من هنا فالمشروع طموح بدرجة كبيرة تجمع بين العالمي والإقليمي والمحلي، وبين النظري والتطبيقي، وتؤكد على التنوع والتوجه نحو المستقبل. وفي ضوء هذه القواعد الأربع يمكن قراءة المجلة والمواد المختلفة التي عرضت لها.
استطاعت المجلة أن تحقق تنوعا مطلقا وليس نسبيا فقط من خلال العدد الأول. ورغم غلبة الجانب السياسي على مواد العدد إلا أن المجلة اشتملت على كافة الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وهو أمر لم يمنح العدد شكلا مميزا له.
وبشكل خاص الجزء الأول صاحب العنوان الغريب 88 الذي اشتمل على موضوعات عديدة لا يوجد بينها رابط ويمكن أن نجدها في أي من المجلات العربية الشهرية أو الأسبوعية. وللمزيد من التنوع اللافت للنظر والذي يشبه أبواب المجلات العربية الشهرية التي تقدم مادة ثقافية متميزة فإن أبواب المجلة جاءت عديدة ومتشعبة وفي بعض الأحيان مربكة أيضا.
فمن باب 88 إلى الأبواب «نحن والعالم»، «اقتصاد»، «استراتيجيا»، «أكاديميا»، «بيئة وتكنولوجيا»، «كتب» وأخيرا «شهادة» إضافة إلى ملف العدد. وهي أبواب تكشف عن اتساع الرؤية بشكل كبير أضر بتماسك العدد، ورغبة مُسبقة في اكتساب قارئ عام وليس قارئ متخصص يسعى وراء المجلة ويطلبها بالاسم.
والواقع أن المرء يتوه وسط كل هذا التنوع العريض والمتسع الذي يشتمل في بعض الأحيان على الكثير من المواد المتضاربة والمتعارضة التي تنتمي لسياقات بعيدة عن موضوع المجلة الراهن الأقرب لحقل السياسة والاستراتيجيات. ويظهر ذلك على وجه الخصوص في الباب الأول المعنون 88.
حيث اشتمل على العديد من المقالات البعيدة عن هدف المجلة مثل تناول البرامج التليفزيونية، والحديث عن برج دبي، ومناقشة كيفية مواجهة العرب لأنفلونزا الخنازير. كما أن الرغبة في إرضاء كافة الأذواق ومتطلبات القراء في ضوء العدد الصفري ربما دفع إلى الزج بباب البيئة والتكنولوجيا، وربما أيضا باب أكاديميا اللذين لم يضيفا شيئا جديدا لما هو متعارف عليه في الواقع العام.
تحتاج المجلة لإعادة هيكلة كبيرة تتعلق بالأبواب الخاصة بها، وفي رأيي أن الأبواب الثلاثة التي تشكل عصب المجلة وهي «نحن والعالم»، «اقتصاد» و«استراتيجيا» تحتاج لتوسيع المادة الخاصة بها وزيادتها على حساب الأبواب الأخرى التي يمكن إلغائها، والاستعاضة عنها بمقالات توضع تحت باب 88 الذي يجب أن تفكر إدارة التحرير في الاستعاضة عنه بمسمى آخر.
فهذه الأبواب الثلاثة تتسق أولا مع أهداف المجلة، وثانيا تقدم مادة جيدة تجمع ما بين السياسي والاقتصادي والاستراتيجي، وثالثا تجمع بشكل جيد بين ما هو محلي وإقليمي وعالمي.
إضافة إلى التوسع في هذه الأبواب الثلاثة فإنه من الضروري التوسع أيضا في ملف العدد في المرات القادمة، كما أنه يجب أن يتسم الملف بقدر أوسع من شمولية العرض وعمق التناول. فمن غير المعقول أن يقتصر ملف الانتخابات في المجتمعات العربية والإقليمية على خمسة مقالات فقط: اثنان منهما تختصان بالحالة الإيرانية، وأخرى بلبنان والكويت، غير مقالة أخيرة نظرية عن انحسار الأيديولوجيات في العالم العربي.
كان من الممكن التعاطي مع حالة قطر واحد، وإصدار ملف كاف وشاف عن طبيعة الانتخابات فيه، وأعتقد أن لبنان أو إيران كان من الممكن أن تمثل أي منهما حالة جيدة لطبيعة الانتخابات فيهما.
يلفت النظر أيضا غياب التناول العميق والنقدي لمنطقة الخليج التي كان يجب أن تحوز على مساحة أكبر وأشمل من مواد العدد. ولا نعني تلك المواد التي تعتمد الإشادة والمدح بقدر البحث عن تلك الموضوعات الهامة بالنسبة للمنطقة.
وهناك عدد لا حصر له من الموضوعات مثل خلل التركيبة السكانية، وأنماط التنمية الحالية، ووضع الطبقة الوسطي الخليجية، وأشكال الحراك السياسي، وعلاقات المنطقة بالولايات المتحدة الأميركية، والعلاقات الخليجية العربية، وغيرها من الموضوعات البالغة الأهمية والحساسية في الوقت نفسه.
وهي قضايا هامة تستدعي استقطاب صانعي الأفكار في المنطقة القادرين على صياغة توصيفات وتصورات واعدة ومبتكرة للمنطقة والتحولات التي تمر بها.
لا تقلل هذه الملحوظات الخلافية من قيمة المجلة التي تحاول أن تقدم وصفا تحليليا للمنطقة والإقليم في علاقاتهما بالعالم الخارجي، وبشكل خاص تلك المقالات التي قدمت توصيفا جيدا لتحولات الدول التي تواجه أوضاعا مضطربة مثل العراق واليمن ولبنان وإيران.
كما لا يمكن التقليل من شأن تلك المقابلات التي تمت مع شخصيات أوروبية وأميركية بما يسهم في فهم العلاقات العربية الإسلامية الغربية بما يساعد صانع القرار في العالم العربي والإسلامي على رسم خريطة جديدة لتلك العلاقات.
ويبقى في النهاية ضرورة أن تستند المجلة لرؤية أيديولوجية نقدية مرنة تحدد لها طبيعة اختيار المقالات وتفرض عليها أبوابا جديدة محددة، فبدون الرؤية تتسع المجلة لكل شيء وكل توجه ويضيع الهدف، كل التحية للقائمين على المجلة، آملين المزيد من التطور النقدي الفعال.
كاتب مصري
