في التاسع من شهر نوفمبر من عام 1989 وأمام عدسات تلفزيونات العالم أجمع قامت جموع من الجماهير الألمانية بتهديم جدار برلين.وفي الثامن والعشرين من نفس الشهر أعلن المستشار الألماني آنذاك هلموت كول أمام البرلمان الألماني «البندستاغ» خطة من عشر نقاط لإعادة توحيد الأمة بعد عقود من تقسيمها بين «ألمانيتين» متنازعتين.

ساد الإحساس آنذاك أن الاتحاد السوفييتي الذي كان «لا يزال على قيد الحياة» بقيادة ميخائيل غورباتشوف «سيضع حدا لذلك اللهو»، حسب تعبير منقول عن الرئيس الفرنسي في ذلك الحين فرانسوا ميتران، ولن يسمح بعودة ألمانيا الموحّدة التي تثير في الواقع رعب كُثر في أوروبا.

لكن التاريخ لا تسيّره الأماني، وخاصة أماني الآخرين، إذ عادت ألمانيا موحّدة واستعادت سيادتها كاملة منذ عام 1990 على جناحيها، الغربي والشرقي. وعلى أساس وزنها السكّاني وقوتها الاقتصادية أصبحت في موقع صناعة القرار في أوروبا ولم تعد ذلك «العضو الكسيح» الذي يقرر له الآخرون، المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، عدد جنوده وسقف تسليحهم حسبما كان منصوصا عليه في الدستور الألماني نفسه لعام 1949.

لكن اليوم ليس البارحة وألمانيا لا تخفي اهتمامها، على غرار بقية القوى الكبرى في العالم، بأمن واستقرار المناطق التي لها مصالح فيها وفي عدادها، بل وفي مقدمتها، منطقتنا العربية.

ولا يخفى على أحد أن لألمانيا اليوم دورا كبيرا في إطار الاتحاد الأوروبي «الموسّع» على أساس أنها تشكّل مع فرنسا «محرّك» مسيرة التوحيد الأوروبية... وبالتالي لها دور كبير في السياسات الدولية التي تريد أن يكون لها صوت فيها. وهي تحرص على أن تلعب تحديدا هذا الدور من خلال أوروبا وأيضا من خلال الأمم المتحدة ومجموعة الثماني واليوم مجموعة العشرين.

للإشارة هناك 220 جنديا ألمانيا يعملون في إطار القوة الدولية التابعة للأمم المتحدة في جنوب لبنان. وكانت ألمانيا قد لعبت دورا مركزيا في عملية تبادل الأسرى بين حزب الله وإسرائيل. ولأسباب موضوعية عديدة تحظى ألمانيا بنوع من «الشعبية « في الشارع العربي قياسا بالقوى الغربية الأخرى.

إن ألمانيا ليس لها ماض استعماري في العالم العربي، على عكس فرنسا وبريطانيا وإلى حد ما إيطاليا، التي خلّفت كلّها ذكريات استعمارية ذات شجون.

وكانت ألمانيا طيلة فترة الحرب الباردة غائبة، وبدقّة أكثر مغيّبة، عن الفعل في المسرح السياسي الدولي وبالتالي في العالم العربي الذي عانى من تحيّز الغرب عامة، وأميركا خاصة، لإسرائيل.

وكان للموقف الذي اتخذته ألمانيا ضد الحرب الأميركية ـ الإنجليزية على العراق في ربيع عام 2003 والتأكيد على دور الأمم المتحدة صدى إيجابي كبير لدى الشارع العربي.

وقد تعززت صورة الحياد الألماني خلال السنوات الأخيرة عبر النهج الداعي إلى تبنّي السبل السلمية في حل المشاكل الدولية والدعوة للتعددية القطبية وليس لسيطرة قطب واحد، أميركي. ومثل هذا النهج يلقى، بحكم الضرورة، صدى إيجابيا أيضا لدى العرب.

وحاولت ألمانيا أن تلعب أكثر من مرّة دور الوسيط «المحايد» فيما يخص مسيرة السلام في الشرق الأوسط. بالطبع لا يخفى على أحد واقع إحساس الألمان بعقدة الذنب حيال اليهود بسبب سياسة القمع النازي التي مارسها هتلر ضدهم.

مثل هذا الإحساس وجد، وسيجد، ترجمته في المواقف الرسمية الألمانية العديدة حيال إسرائيل.

ولكن يعدّل من هذه المواقف التعاطف الكبير الذي تبديه شرائح واسعة من الشعب الألماني في مختلف المناسبات حيال القضية الفلسطينية. وبالتوازي مع المسار السياسي يشكّل الاقتصاد بكل فروعه مشربا أساسيا في الاهتمام الألماني ـ العربي المتبادل.ويمكن التأكيد أيضا على جديّة التعاون في مختلف المجالات التربوية والثقافية والعلمية والفنيّة.

وفي المحصّلة تبدو ألمانيا «الجديدة« الصاعدة في موقع متميّز بحكم تاريخها ومسارها قد يسمح لها بلعب دور الوسيط السياسي الاستثنائي والشريك الاقتصادي المتميّز والصديق «ذي المصداقية« بالنسبة للعالم العربي الذي من مصلحة دوله أن لا تضع كل سياساتها في «سلّة« واحدة.

ألمانيا هذه أعادت قبل أيام انتخاب السيدة أنجيلا ميركل لفترة حكم ثانية على رأس تحالف يميني يجمع بين حزبها، الحزب الديمقراطي المسيحي، وحزب الحلفاء اللبراليين.

وهذا يعني أن برلين ستبقى وفيّة لنهج تعزيز موقع ألمانيا وتأكيد قدرة المنافسة وزيادة الفوائض التجارية كي تبقى القوة الاقتصادية الأولى في القارة القديمة. وبعيدا عمّا يمكن أن يثيره هذا النهج من مخاوف، على خلفية ذكريات التاريخ القريب، لدى الشركاء الأوروبيين قد يكون من الهام أن لا تغيب برلين عن أنظار العرب.

كاتب سوري ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr