أن تقف واشنطن ضدّ تقرير أو قرار سياسي دولي، يدين إسرائيل؛ أمر ليس بجديد. لكن أن تحاول تسفيه تقرير قضائي اعتمدته لجنة محايدة تابعة للأمم المتحدة، فقط لأنه يوصي بإحالة ملف اتهامي ضد إسرائيل، على المحكمة الجنائية الدولية؛ ففي ذلك مسخ فج للعدالة وتغطية فاقعة تشجّع تل أبيب على المزيد من الانتهاكات للقوانين والمعاهدات الدولية.
ما خلص إليه القاضي الدولي غولدستون، في تقريره حول العدوان على غزة؛ ليس فيه افتراء ولا يجافي الحقيقة. ردّة فعل الأميركيين والأوروبيين الحادة ضدّه، تشي بأن الرجل وضع الإصبع على الجرح. وإلاّ لماذا قامت قيامتهم على توصيات القاضي، لو لم يكن هناك خوف فعلي من احتمال جرّ إسرائيل إلى أعتاب المحكمة وربما قفص الاتهام والتجريم؟
مساعد وزير الخارجية الأميركية، قال إن التقرير «معيب للغاية»؛ رافضاً إحالته إلى مجلس الأمن؛ لئلا يحيله هذا الأخير إلى المحكمة الدولية. الذريعة لدى واشنطن، لا تتغير في مثل هذه الحالات؛ وهي انه لا تجوز «المساواة على الصعيد الأخلاقي بين إسرائيل الديمقراطية التي من حقها الدفاع عن نفسها»؛ وبين الفلسطينيين.
الدول الأوروبية، سارعت هي الأخرى إلى القيام بدورها في عملية التغطية والحماية لإسرائيل؛ بحيث حرصت على التأكيد بأنها لا تدعم خلاصات التقرير، مع الانتقاد لطريقة إعداده. لم تبيّن واشنطن ولا الأوروبيون، دواعي رفضهم للتقرير والمآخذ عليه. لا تفسير سوى أن الإشارة بإصبع الاتهام إلى إسرائيل، أثار حفيظتهم. لم تشفع يهودية غولدستون، لصاحبها.
كما لم تشفع به سمعته كقاض مشهود له بنزاهته. طالما إسرائيل هي المعنية بالتهمة، فإن كل الاعتبارات تسقط في سبيل حمايتها. مع أن الرجل لم ينطق كفراً.
كل ما فعله أنه قام بالتحقيق في أمر الانتهاكات أثناء العدوان على غزة؛ بصفته رئيساً للجنة تقصي الحقائق لمجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة. وجد في خلاصة عمله؛ أن هناك جرائم حرب وجرائم ضد الإنسان، وقعت على الأرجح خلال الحرب.
وأوصى بضرورة حصول تحقيق، إسرائيلي وفلسطيني، داخلي في الموضوع وتحت إشراف دولي. وفي حال الرفض، أوصى بأن يحيل مجلس الأمن هذا الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية.
في مناقشته للتقرير أمام المجلس، أمس الأول؛ تمهيداً لاتخاذ قرار بشأن إحالته على مجلس الأمن؛ حذّر غولدستون من أن عدم مساءلة مجرمي الحرب في الشرق الأوسط وصل إلى ( حدّ الأزمة ). كلامه واقتراب البت في الأمر، استنفر جوقة إسرائيل للدفاع عنها وقطع الطريق على احتمال وضع القضية على سكّة المحكمة. هنا يكمن العيب وليس في ترك العدالة تأخذ مجراها.
