لا ينكر احد أن الإمارات تضم من أبنائها المتقاعدين الكثير ممن اثبتوا كفاءتهم وجدارتهم طوال سنوات عملهم، ولا ينكر احدنا ان بعض المؤسسات والدوائر الحكومية مازالت ترفض تعيين عدد منهم، مقابل أخرى قليلة ترحب بهم وتعتبر قبول عملهم فيها مكسبا حقيقيا واستثمارا في الوطن ومواطنيه، لاسيما ان كان المتقاعد محبا للعمل قادرا على تقديم الخبرات والاستشارات المناسبة للجهات التي تطلب ذلك أسوة بالدول المتقدمة التي لا ينتهي دور المتقاعد فيها حتى آخر رمق من حياته، ان كان ممن اثبتوا كفاءتهم أثناء الخدمة، اذ تعتقد تلك الدول ان الاستشارات التي يقدمها المتقاعدون والمعجونة بالحكمة والخبرة التي يفرضها تقدم العمر أفضل من أية عقود تبرمها مع شركات استشارية كبرى، بل وأوفر منها أيضاً بعوائد أكبر مادية ومعنوية.
لذلك استطاعت تلك الدول باحترامها للمتقاعدين تحقيق التطور الذي تسعى إليه، واستطاعت أيضاً تقليل الاعتماد على العناصر المستقطبة من الخارج، واستطاعت جعل مجتمعاتها خلايا نحل متجددة بالشباب إلا أنها قائمة على خبرات عريقة يتيحها المتقاعدون.
دولة الإمارات قبل سنوات اضطرت للاعتماد على الخبرات المستقطبة من الخارج لان طبيعة الفئات العمرية فيها وتاريخها كدولة لم يكن يتيح لها الاستفادة من خبرات مواطنيها المتراكمة، لكن اليوم وبعد مرور 38 عاما على اتحاد الإمارات، وبعد ان أصبحت لدى الدولة خبرات متراكمة، بات بإمكانها توظيف خبرات مواطنيها المتقاعدين.
في الأسبوع الماضي وجه سمو الشيخ سيف بن زايد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية بإنشاء جائزة وزير الداخلية للأبحاث العلمية للمنتسبين والمتقاعدين بوزارة الداخلية وتشمل جميع التخصصات الشرطية والقانونية والإدارية والفنية بهدف استثمار الخبرات العلمية والعملية من منتسبي الوزارة.
وتأتي توجيهات سموه في الوقت الذي تراجعت فيه أعداد البحوث العلمية من قبل الجيل الجديد من الشباب الذي أصبح البحث بالنسبة لديه لا يتعدى الضغط على محركات البحث للحصول على أية معلومات، دون ان يحاول كثيرون تطبيق مفاهيم البحث وصولا للتوصيات والنتائج التي يستفاد منها في مختلف التخصصات والمجالات.
وفي نهاية الأسبوع الماضي أيضاً صدر قانون جديد خاص بحكومة دبي، أصدره صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء بصفته حاكما لإمارة دبي.
ينص القانون على إعادة تعيين المتقاعدين وصرف مكافآت شهرية لهم بالإضافة إلى رواتب التقاعد، الأمر الذي كان سببا في سعادة كثير من المتقاعدين الذين اعتبروا القانون منصفا ومثمنا لخبراتهم ومهاراتهم وداعما معنويا لهم لاسيما بعد ان أصبحت المعيشة غالية.
ولم تعد رواتب التقاعد تكفي لسد احتياجاتهم، الأمر الذي دفع متقاعدين في إمارات أخرى من مؤسسات اتحادية أو دوائر وهيئات محلية، ودعاهم للمطالبة بقانون آخر يضمن إعادة تعيين المتقاعدين في الدولة وتوظيف خبراتهم والاستفادة منهم ككوادر وطنية لا ينبغي إهمالها، لاسيما منتسبو الخدمة العسكرية الذين تقاعد عدد منهم لأسباب صحية لا تتناسب مع طبيعة العمل في السلك العسكري.
لذا فإننا نقول بعد بادرتي الخير اللتين أعادتا الأمل والطموح للمتقاعدين وغيرهم ممن مازالوا على رأس عملهم، وباتوا مطمئنين إلى وجود من يستثمر في خبراتهم بعد تقاعدهم. نأمل على المتقاعدين المبادرة بالعمل في مختلف المؤسسات التي وجهت دعوات مفتوحة لهم للعمل والبحث، فتلك الدعوات ان استجابوا لها عادت بالنفع لمصلحة دولة تسعد بأبناء يبذلون كل ما بوسعهم من اجل تنمية وطنهم.
وعلى المؤسسات ان تعي وتدرك ان الاستثمار في المتقاعدين أفضل وأكثر قيمة من الاستثمار في أية كوادر أخرى، لاسيما في الوقت الراهن الذي يستعد فيه كل مواطن لتقديم ما بوسعه لغد أفضل ينعم به الأبناء.
