رغم التغطية الواسعة والجدل الشديد الذي أحاط بالخطاب الذي وجهه أوباما لطلبة المدارس أول أيام العام الدراسي الجديد إلا أن المسكوت عنه في كل ذلك كان العلاقة بين التعليم في أميركا والأبعاد الطبقية والعرقية والإثنية.
فبمجرد أن أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأميركي سوف يلقي خطابا موجها لطلاب المدارس ويعقد حوارا مع بعضهم في إحدى المدارس الثانوية، قامت الدنيا ولم تقعد في أوساط اليمين حيث اتهموه بتسييس التعليم وباستغلال المدارس «للترويج لأجندته السياسية». وبالفعل رفضت الكثير من المدارس عرض خطاب الرئيس على شاشاتها لحظة إلقائه بينما رفض بعض الطلاب في مدارس أخرى مشاهدة الخطاب بناء على توجيهات من أولياء أمورهم. ورغم كل ذلك أصر الرئيس على إلقاء الخطاب وعقد الحوار.
وفى تقديري أن الجانب الذي لم يحظ بالاهتمام الكافي هو أن الرئيس رغم أنه كان يتحدث لكل الطلاب الأميركيين في سن المدارس إلا أنه استهدف تحديدا الطلاب الفقراء من البيض ومن أبناء الأقليات الذين يتعلمون في المدارس العامة على وجه الخصوص. فمنهج الخطاب ومضمونه فضلا عن الرسالة المتضمنة كانت موجهة بالأساس لشحذهم باعتبارهم الفئة الأكثر عرضة للتغيير.
فالتعليم العام في الولايات المتحدة يعاني من مشكلات كبرى. فلأن أميركا دولة فيدرالية فإن النسبة الأكبر من الأموال التي تنفق على التعليم هي أموال الولايات والمحليات. لذلك، تكون الأحياء والمناطق الفقيرة أقل قدرة ماليا على تمويل مدارسها الأمر الذي يؤثر بالضرورة على المستوى التعليمي فيها بالمقارنة بالمدارس العامة في المناطق والأحياء الأكثر ثراء ناهيك عن المدارس الخاصة.
ورغم أنه صار من الناحية النظرية بالإمكان نقل الطالب من مدرسة عامة فاشلة إلى أخرى أفضل منها إلا أن الواقع العملي يشير إلى أن الفقراء عادة ما لا يملكون تلك الحرية لإنقاذ أطفالهم. فنظرا لضيق ذات اليد فهم مجبرون على الإبقاء عليهم في المدرسة الأقرب لمحل سكنهم لأنهم لا يملكون نفقات نقل أولادهم يوميا إلى مدارس أبعد.
لكن مشكلات المدارس العامة في المناطق الفقيرة بعضها يأتي أيضا من خارج أسوار المدرسة. فأغلب المناطق الفقيرة في أميركا تعانى أيضا من انتشار العنف والمخدرات والجريمة فضلا عن التفكك الأسرى الذي ينتج عن كل ذلك أو يسببه. وتعكس كل تلك المشكلات نفسها بالضرورة على المدارس بل وعلى مستوى أداء الطلاب الذين يجد الكثيرون منهم أنفسهم محاطين بظروف صعبة في حياتهم اليومية قد تؤدى في النهاية لتسربهم من التعليم أو لانزلاقهم في طريق الانحراف.
ومن يتابع خطاب أوباما وحواره مع الطلاب يجده في الحقيقة موجها للطلاب الذين يعانون في حياتهم ويواجهون تعثرا في دراستهم. وهو في أكثر من موضع يتحدث عن مشكلات بعينها مثل التفكك الأسرى أو العنف في المناطق التي يقطنون فيها. وأغلب الذين يواجهون تلك المشكلات هم من الفقراء البيض وأبناء الأقليات.
فهو يقول مثلا «ربما لا يوجد في حياتك من الكبار من يمنحك الدعم الذي تحتاجه، وربما فقد عائلك وظيفته ولا يوجد مال كاف، وربما أنت تعيش في حي لا تشعر فيه بالأمن أو لك أصدقاء يدفعونك لأشياء تعرف أنها ليست السلوك الصحيح».
وقد سعى أوباما في تقديري لاستخدام سيرته الذاتية لتشجيع هؤلاء على المثابرة. فرغم أنه حين كان في عمرهم لم يكن بالمقارنة بأنداده مستهترا أو بليدا، إلا أن أوباما اختار أن يحكي لهم عن نقاط ضعفه في تلك الفترة وعن أخطائه لا عن إنجازاته. والرسالة واضحة طبعا.
حكى أوباما لهم باستفاضة عن حياته كابن أسرة ذات عائل واحد. فبعد أن رحل أبوه إلى كينيا وهو لم يتجاوز العامين، قامت أمه وحدها على تربيته بمساعدة والديها. تحدث لهم عن مشاعره وقتها وإحساسه بفقد أبيه وشعوره أحيانا بالوحدة وبعدم التكيف مع العالم من حوله. واستخدم تلك الخبرة ليقول لهم أنه «يفهم» ما يواجهونه من مشكلات وأنه مثلهم لم يكن بسبب كل ذلك يعطي كل انتباهه لدراسته.
لكن «لا أحد يملك تحديد مصيرك سواك». ثم وجه حديثه صراحة للمتعثرين منهم قائلا «إذا وقعت في مشكلة فهذا لا يعني أنك مصدرا للمشكلات وانما معناه أن عليك أن تبذل جهدا أكبر لتتصرف بشكل أفضل، وإذا حصلت على درجات ضعيفة فهذا لا يعني أنك غبي وانما يعني أن عليك أن تمضى وقتا أطول في الاهتمام بدروسك»، ودعاهم إلى الاستعانة بالآخرين وقت الحاجة قائلا «لا تخشى أن تسأل ولا تتردد في طلب المساعدة حين تحتاجها. فأنا أفعل ذلك كل يوم. وطلب المساعدة ليس مؤشرا على ضعفك وانما هو دليل على قوتك لأنه يكشف عن شجاعة الاعتراف بأنك لا تعرف».
قال لهم أيضا إنه كان في التاسعة منشغلا عن دراسته بكرة السلة ثم متمردا في فترة المراهقة ولولا إصرار أهله المستمر على تعليمه لما اضطر للتركيز على دراسته. ثم شرح لهم أنه أدرك مع الوقت أنه لن يتميز في كرة السلة ولكنه يمتلك ملكات خاصة في الكتابة والتحليل ثم طالب كل منهم بأن يكتشف ذاته ونقاط تميزه.
قال لهم إن «النجاح ليس سهلا فأنت لن تحب كل المواد التي تدرسها ولن يعجبك كل مدرس يعلمك ولن تجد كل واجب تكلف به ذا علاقة بحياتك وقت تكليفك به ولن تنجح بالضرورة من أول مرة في كل ما تقدم عليه. لكن هذا كله مقبول بل أن بعض أكثر الناس نجاحا في العالم هم الذين واجهوا الكثير من الفشل في حياتهم».
كان أفضل ما في حوار أوباما مع طلاب المدارس وخطابه الموجه لهم هو احترامه الواضح لعقولهم وتأكيده على أنه مؤمن بهم وبقدراتهم. ولعل تلك هي الرسالة الأكثر تأثيرا على الشباب عموما والتي نحتاجها نحن للنهوض بالتعليم عندنا.
كاتبة مصرية