استرعى انتباهي التقرير الذي صدر عن مجلة فوربس حول عدد أغنى أغنياء العالم فقد أورد التقدير أن في العالم نحو 691 مليارديراً وأن هذا الرقم تضاعف عما كان عليه عام 2006 وأن الأزمة المالية العالمية قد أدت إلى تراجع في عدد أثرياء العالم إلا أنهم يملكون القدرة على تجاوز مضاعفات الأزمة.
لم يكن يهمني من قريب أو بعيد عدد أثرياء العالم ذلك لأن قضايا فقراء العالم تتصدر قائمة المهتمين بقضايا الإنسان بدليل أن الأمم المتحدة عندما وضعت الأهداف الإنمائية للألفية وهي ثمانية أهداف جعلت قضايا الفقر والفقراء تتصدر قائمة تلك الأهداف.
أعود للقول لقد ورد في سياق التقرير إفادات حول مساهمة أثرياء العالم في دعم العمل الخيري الإنساني وكان لافتاً للنظر أن بيل غيتس مؤسس مايكرو سوفت تصدر قائمة المتبرعين لدعم الأعمال الخيرية والمعروف أن الملياردير الأميركي كان قد أسس مع زوجته جمعية للأعمال الخيرية باسم بيل وميليندا حيث اعتمد مبلغ 45 مليار دولار لإيجاد حلول للمشكلات الصحية التي تواجه فقراء العالم.
لقد ذكرني تقرير مجلة فوربس بدراسة علمية رصينة أعدها الدكتور مايكل بورتر وهو أستاذ يعمل عضو هيئة تدريس بجامعة هارفرد أشار فيها أن وجه المجتمعات البشرية سيتغير كلياً إذا التزم أثرياء العالم بالتبرع بنسبة 2 ـ 5 (اثنين إلى خمسة بالمائة ) من أرباح شركاتهم حيث يكون بالإمكان بناء آلاف المستشفيات والمدارس والجامعات والكليات العلمية والفنية ومراكز التدريب المهني. ويرى البعض أن الأثرياء يدعمون العمل الخيري لدواعي مظهرية ودعائية تساعدهم على تحسين صورهم في المجتمع أو كوسيلة لاختراق قوانين الضرائب وتجاوز الأنظمة المالية والإدارية.
يعتبر العمل الخيري والإنساني أهم ما دعا إليه الإسلام إذ جعل الزكاة أحد أهم آلياته. وتعتبر الصدقات من الأشكال الداعمة للتكافل الاجتماعي ولعل ذلك ما جعل دولة الإمارات من أوائل الدول التي تدعم العمل الخيري والإنساني. هذا ولقد برزت في الآونة الأخيرة مطالبات بضرورة تفعيل مفهوم المسؤولية الاجتماعية وذلك بتشجيع نشر ثقافة المسؤولية الاجتماعية ولا سبيل إلى ذلك إلا عبر التنسيق مع اتحاد غرف التجارة والصناعة لأنها هي الجهات المعنية بكافة قضايا القطاع الخاص وعليها تقع مسؤولية تفعيل الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص.
إن القارئ لأجندة السياسة العامة والرؤية الإستراتيجية لدولة الإمارات العربية المتحدة يجد أنها أفرزت مساحة مقدرة للدور الذي ينبغي أن يساهم به القطاع الخاص في مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً بعد تبني الدولة لسيادة إعادة الهيكلة والخصخصة.
والتي أتاحت للشركات ورجال الأعمال تنفيذ العديد من المشروعات الإنمائية في قطاعات البناء والتشييد والتأمين والخدمات المساندة فحقق القطاع الخاص أرباحاً طائلة ففي الوقت الذي تتبارى فيه الشركات المتعددة الجنسيات في دعم العمل الاجتماعي كشركة نوكيا وكوداك وتويوتا وفورد في دعم مشروعات خيرية وإنسانية نجد أن كثير من الشركات الوطنية تتقاعس عن المساهمة في الأعمال الخيرية والإنسانية.
ولهذا أرى أن على صناع القرار الاستفادة من تجارب بعض الدول التي سنت قوانين وتشريعات تلزم القطاع الخاص بتخصيص نسبة مقدرة من الأرباح السنوية لدعم العمل الخيري والإنساني. ومن ذلك تجدر الإشارة إلى الراحل عبد الجليل الفهيم الذي أرسى دعائم مؤسسات تجارية جعلها تضع دعم العمل الخيري من أهم واجباتها.وفي ذات الاتجاه سار السيد الفاضل جمعة الماجد والفطيم الذين أرسوا دعائم قوية للعمل الخيري والإنساني في بلادنا.
لقد أرست مجموعة الفطيم أرضية متينة للمسؤولية الاجتماعية لرجال الأعمال الوطنية، كما أن جمعة الماجد أسس منظمة خيرية لها حضور محلي وإقليمي ( بيت الخير ) التي ترعى آلاف الأسر الفقيرة وتعمل منذ سنوات في ميادين التكافل الاجتماعي ورعاية الأيتام.
إذاً ومن هذا المنطلق إن المسؤولية الاجتماعية الحقيقية: مسؤوليتنا جميعاً تجاه الوطن، وتجاه المجتمع، وتجاه أنفسنا أولاً وقبل كل شيء. ذلك لأن المسؤولية الاجتماعية كمفهوم مجتمعي يحتاج إلى الترويج عبر التعريف بثقافة المسؤولية الاجتماعية.و من ذلك تبدو ثمة حاجة في سياق تعزيز الشراكة بين مؤسسات الدولة ذات العلاقة والقطاع الخاص.
ومن هذا المنطلق ربما يكون ضرورياً أن يتفاعل باقي الأثرياء من المواطنين ورجال الأعمال في تدعيم الشراكة المجتمعية والتي لن تتعزز إلا من خلال جهود الدولة من ناحية والقطاع الخاص من ناحية أخرى.
كاتبة إماراتية
