في الوقت الذي يتوقع فيه العالم كله - ودون استثناء تقريبا - ان تبدي اسرائيل قدرا ما من الاستجابة للجهود والمحاولات الأمريكية التي بذلت ولا تزال تبذل على أعلى المستويات من أجل إعادة تحريك عجلة السلام في الشرق الأوسط مرة أخرى، فإن الوقائع والاحداث على الارض، على امتداد الاراضي الفلسطينية بوجه عام، وفي القدس الشرقية بوجه خاص تشير بوضوح إلى حقيقة محددة وهي أن حكومة بنيامين نتانياهو ليست معنية بالسلام، كما أنها غير مهتمة فيما يبدو بإنجاح المساعي الأمريكية.
أو حتى افساح المجال امامها لكي تعطي نتائجها على مستوى العودة إلى مائدة المفاوضات بين الفلسطينيين واسرائيل. والمفارقة هي أن التصريحات الاسرائيلية غارقة في خداع العالم ومحاولة تسويق خيارات نتانياهو وشروطه التي تبدد الأمل في إمكانية التوصل إلى تسوية شاملة وعادلة ودائمة تقوم على أساس حل الدولتين، الذي يحظى الآن بتأييد واسع داخل الأمم المتحدة وعلى امتداد العالم كذلك.
غيرأنه من المؤكد أنه ليس من المصادفة على اي نحو ان تشهد هذه الفترة تحديدا ما نراه كل يوم تقريبا من محاولات متكررة من جانب المستوطنين والمتطرفين الاسرائيليين لاقتحام المسجد الاقصى الشريف، وذلك تحت سمع وبصر، بل وفي حماية قوات الأمن الاسرائيلية ذاتها.
ففي ظل ما تواجهه اسرائيل من ضغوط متعددة الجوانب، وما ترى حكومة نتانياهو من ضرورة استيعاب، او محاولة استيعاب ، القوى الاسرائيلية اليمينية تحسبا لإمكان اتخاذ بعض المواقف ولو المحدودة للتخفيف من تلك الضغوط، فإن محاولات اقتحام المسجد الاقصى من جانب متطرفين اسرائيليين، او بالاحرى تسهيل مثل تلك المحاولات وغض النظر عنها بشكل او بآخر ينطوي على رسالة متعددة الاهداف، لانها رسالة موجهة للداخل الاسرائيلي.
وموجهة في الوقت ذاته الى القوى التي تتوقع ان تتخذ حكومة نتانياهو مواقف تنطوي على الاستجابة بشكل او بآخر للجهود المبذولة لتحريك عملية السلام، كما أنها رسالة موجهة إلى الفلسطينيين في الوقت ذاته، في محاولة لاظهار أن حكومة نتانياهو تواجه ضغوطا داخلية، وعلى حد قول ليبرمان وزير خارجية نتانياهو انها ملتزمة بتعهداتها للناخبين الاسرائيليين، وهو تبرير ينطوي على تحد سافر للمشاعر الفلسطينية والعربية والاسلامية، ويضرب عرض الحائط بكل القوانين والأعراف والقرارات الدولية الخاصة بالحفاظ على القدس الشرقية وعدم تغيير ملامحها وعدم الاعتراف بما تقوم به اسرائيل من عمليات نشطة لتهويدها.
ومع التأكيد على أهمية وضرورة التحرك العربي الفعال، ليس فقط على مستوى جامعة الدول العربية، أوعلى الصعيد الفلسطيني، ولكن أيضا على المستوى الدولي برفع الأمر إلى مجلس الأمن الدولي، استنادا إلى خطورة عمليات اقتحام المسجد الاقصى على السلم والأمن في الأراضي الفلسطينية المحتلة ومساسة المباشر بالمشاعر العربية والاسلامية، فانه ينبغي العمل على استغلال اجتماعات الدورة الرابعة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة.
ووجود العديد من وزراء الخارجية العرب والأمين العام لجامعة الدول العربية في نيويورك للقيام بحملة وتحرك منظم يفضح الممارسات وخطط التهويد الاسرائيلية، ويؤكد في الوقت نفسه ان مثل تلك العمليات تبدد الأمل في إمكانية تحريك عجلة السلام مرة اخرى. واذا كان هذا هو ما تريده اسرائيل فهل يقف العالم متفرجا على أعمالها تلك وعلى تحديها له وللشرعية الدولية؟.
