في مثل هذه الأيام الخريفية من عام 1989 انطلقت رياح التغيير في شرق أوروبا لتعلن بداية عصر جديد مفعم بالأمل طالما حلمت به نسبة كبيرة من شعوب هذه المنطقة. التوقعات كانت مختلفة عن الحقائق التي انهالت تباعا دون خوف، فاتحة الباب على مصراعيه أمام تغييرات جذرية وجدية فاقت كل تصور في ذلك الزمن البارد.
كانت «يوفوريا» النصر المزعوم حاضرة في كل مكان، وكانت تنتقل من مكان إلى آخر بسرعة قلّ نظيرها، لا لشيء سوى لأن الإمبراطورية المنتشرة شرقا كانت في الواقع قائمة على سراب التحالفات القوية المزعومة، وأسسها لم تكن سوى رمال جافة انهارت مع هبوب أول رياح حقيقية.
كان يلوح في الأفق شيء من الأمل والخوف معا، وكان الجميع في حالة ترقّب فريدة تتفاوت من بلد إلى آخر وفق حالة الغضب التي سيطرت على النظام الحاكم فيه. ففي رومانيا طغت رائحة الدم على كل شيء آخر، وامتزج التوتر مع الهدوء في دول أخرى مثل المجر وألمانيا الشرقية وغيرها، وسيطر الأداء المخملي على حركة التغيير في تشيكوسلوفاكيا السابقة دون أن يمنع ذلك كثيرين من إطلاق صفة الثورية على ما جرى فيها من تحولات.
تستذكر هذه المنطقة حاليا «أيام استعادة الحرية» كما يصفها البعض هنا، لكن في أجواء تستحق التوقف عندها، لأنها تحمل في طياتها بذور تغيير من نوع آخر قد يكون منطلقا لتطور فريد لا زلنا نستكشف آفاقه. ولعلّ أبرز ما طغا في خضم ما يجري من وقائع، هو حالة الفرز الواضحة التي بدأت تشهدها بعض تلك الدول في ما يخص انتماءها الوستراتيجي، بعد توصلها لقناعة تشير بأن الانتماء المرحلي قد بلغ على ما يبدو تقاطع طرق متفرع يستأهل التوقف عنده بحذر.
ويبدو بأن هذه المنطقة التي كانت دائما مركز تجاذب للصراع القائم بين الأقطاب الكبار، تستعد حاليا، وبقلق كبير، لقراءة التغيير الذي طرأ على السياسة الأميركية المركزية في ما يخص التعاطي مع الملفات الساخنة الكثيرة وأهمها موضوع العلاقة مع روسيا.
فالاعتراف الأميركي الواضح والأنيق بفشل سياسة القطب الواحد في السياسة الدولية قد أضاف على ما يبدو بعدا جديدا للقلق المستشري في وسط أوروبا بين القوى المناهضة لروسيا تحديدا، لأنه أكد ما سبق لكثيرين أن أشاروا إليه، أي استحالة أن تتمكن الولايات المتحدة الأميركية من فرض أهوائها وتمنّياتها في كافة أرجاء المعمورة، دون أن تأخذ بعين الاعتبار سلسلة المصالح الأخرى التي تتمسك بها دول أخرى ذات ثقل واضح.
هذا لا يعني بأن الولايات المتحدة ستعيد التفريط بالمنطقة ووضعها مجددا تحت النفوذ الروسي، بل يعني في الحد الأدنى تسليما بالمصالح المختلفة التي تسعى إليها روسيا، لا سيما في المجالات الاقتصادية والاستثمارية وغيرها والاكتفاء بالمنافسة الشريفة التي قد تكون ربما أحد ركائز الممارسة الرأسمالية أيضا. وينسحب هذا حتما على قطاع الطاقة الذي أصبحت دول المنطقة تتعامل معه على أنه أحد أبرز مكوّنات الأمن القومي، وتسعى جاهدة للاستقلال جزئيا، إن لم تتمكن كلّيا، عن السيطرة الروسية الواضحة عليه.
وهو يعني أيضا العمل لجذب روسيا إلى حظيرة الحوار البنّاء والهادف لإيجاد أجوبة منطقية على جميع الاستفسارات الملحّة، لا سيما ما يتعلق منها بالأخطار الكثيرة الماثلة أمام العالم حاليا. وهذا يتطلب بلا شك أيضا طمأنتها من الناحية العسكرية وإزالة كافة أسباب القلق القائمة، مثل الدرع الصاروخي الواقي الذي كان موجها بوضوح ضد روسيا، والعمل على حث القوى الحليفة لأميركا في وسط أوروبا لأن تتعامل مع الوقائع الجديدة بصدر رحب، وأن تتقبّل فكرة التوجه لممارسة سياسة أكثر ليونة يستفيد منها الجميع دون استثناء.
لكن يبدو بأن هذا التوجه الجديد قد أثار القلق، إن لم أقل الرعب، في صفوف تلك القوى التي لم تجد حرجا بالتوجه إلى أميركا بخطاب متوتر كاد أن يتّهم الإدارة الأميركية الجديدة بالطعن بالمبادئ التي قامت عليها علاقة الصداقة بين الطرفين منذ العام 1989. ولولا الخجل والحياء لكانت تلك القوى قد اتهمت أميركا بالخيانة المطلقة لأنها تخلّت عن مشروع الدرع الواقي، باعتبار أنها (أي تلك القوى) كانت ترى فيه تكريسا لواقع الانتماء الجيو ـ سياسي الذي يسلخ بلادها بشكل نهائي عن المنطقة الأوروبية الشرقية والوسطى، ويزرعها في قلب الخارطة الأوروبية الغربية.
اليوم يبدو أن هذا الصراع قد انتقل إلى داخل الساحات الوطنية في تلك الدول، وهو ما حاولت أن أشير إليه سابقا من خلال الحديث عن حالة الفرز القائمة. وهذا يشكّل حالة فريدة حتما، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الصراع الداخلي لا يوفّر من الاتهامات رجلا مثل فاتسلاف هافل، رمز الثورة المخملية في تشيكوسلوفاكيا السابقة، الذي يُتّهم حاليا .
وبشكل علني بأنه يسعى لإعادة تقسيم العالم من خلال العمل على فرض ستارات حديدية جديدة في العلاقات الدولية، وخصوصا مع روسيا. وللتذكير، فأن هافل ومعه بعض الشخصيات السياسية المرموقة في شرق أوروبا ممّن هي متأثرة كلّيا بسياسة الإدارة الأميركية السابقة، احتجوا مؤخرا على سياسة الأذرع المفتوحة حيال روسيا، لأنها لن تساهم حسب رأيهم إلا بإعادة نفوذها، ولاحقا التوتر، إلى بلادهم.
ما هو فريد في كل ما يجري هو أن يتحول الأبطال فجأة إلى متّهمين. فمن كان يجرؤ في السابق على توجيه تهمة إثارة البلبلة والتوتر إلى فاتسلاف هافل وأمثاله، وهم الذين كانوا يدّعون دائما توقهم إلى عالم خال من التوتر والحروب.
... لعلّها نفس رياح التغيير، التي أن هبّت فعليا، حملت معها حتى الأبطال المتساقطين من ذاكرة الأمة كأوراق الشجر في فصل الخريف البارد.
كاتب لبناني
