قال الزعيم الليبي معمر القذافي الذي يرأس حاليا الاتحاد الإفريقي، في أول خطاب له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ (64): إن حقيقة أن «65 حربا» اندلعت منذ إنشاء الأمم المتحدة منذ 60 عاما تثبت أن المبادئ التي تأسست عليها المنظمة الدولية قد تعرضت للخيانة. وأضاف «إصلاح الأمم المتحدة يقضي بنقل صلاحيات مجلس الأمن إلى الجمعية العامة»، معتبراً أن «زيادة المقاعد في مجلس الأمن، يزيد الطين بلة»..
وأردف القذافي «أن يكون الفيتو والمقاعد الدائمة لمن يملكون القوة، هو جور وإرهاب لا يمكن أن نعيش فيه بعد الآن». ودعا القذافي إلى نقل مقر الأمم المتحدة من نيويورك إلى وسط الكرة الأرضية.
ويتفق العديد من المحللين على القول إن خطاب الزعيم الليبي عكس الأطروحات الإيديولوجية الصارمة التي دافع عنها في السابق ولايزال متمسكا بها، ومنها أن الإمبراطورية الأميركية هي القوة الوحيدة في العالم التي ليست في وارد إعطاء الأمم المتحدة أو غيرها منصب الشراكة في مرتبة التفوق أولا. ويشعر العقيد القذافي اليوم بقوة وصلابة أدائه أمام عالم مناهض للسياسة الاستعمارية الجديدة التي تنفذها أميركا، عالم منفتح، حيث لا يمكن لأحد أن ينعزل فيه، عالم يرفض أن يهيمن فيه نظام أحادي القطبية.
معركة الخطابات في الأمم المتحدة بين الرئيس الأميركي باراك أوباما والزعيم الليبي معمر القذافي التي كان فيها الأول في الموقع الدفاعي السلبي والثاني في الموقع الهجومي بامتياز عكست الصراع بين رؤيتين للنظام العالمي الجديد.
رؤية أميركية جديدة يجسدها الرئيس أوباما، تقوم على الانخراط والحوار والعمل الجماعي بمسؤولية مشتركة، وعلى محاولة خجولة في تجسيد القطيعة مع أخطاء سياسة الإدارة الأميركية السابقة المتغطرسة بزعامة جورج بوش، التي كانت تتصرف بطريقة انفرادية.
وهناك رؤية الزعيم الليبي معمر القذافي التي تدعو الولايات المتحدة الأميركية إلى التحرر من عقيدة القطبية الأحادية، وإلى اعتبار أن أغلبية المشاكل في القرن الحادي والعشرين، مثل الإرهاب، وأسلحة الدمار الشامل، ومشاكل البيئة، ومراقبة التسلح، والعدالة الدولية، واتساع الهوة في التطور والثروة بين الأمم الغربية والأمم والشعوب في عالم الجنوب، وأنسنة العولمة الرأسمالية كي تقدم للناس ما هم بحاجة إليه، هذه المشاكل وغيرها كثير لا يمكن معالجتها إلا في إطار متعدد. وهذا يقتضي إعادة بناء نظام دولي جديد يتسم بالصدقية ويأخذ بعين الاعتبار المعطيات الجديدة في عالمنا المعاصر وفي القلب منها إصلاح الأمم المتحدة.
فكرة إصلاح الأمم المتحدة فكرة قديمة قدم المنظمة نفسها، فالدعوات الأولى للإصلاح يعود تاريخها إلى سنة 1946. ومن شروط الإصلاح: إن واحدة من الصعاب الرئيسية تكمن في واقع الميثاق المؤسس، الذي أقر في سان فرانسيسكو عام 1945، والذي لا يفسح في المجال إلا بالكاد لعملية التعديل في نصه.
والحال هذه، فإن أي إصلاح يقتضي موافقة الأكثرية الموصوفة بثلثي أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة(191 بلدا) وتصويت إيجابي من قبل الأعضاء دائمي العضوية في مجلس الأمن، وبصورة أدق، ثلثي الرأي العام العالمي ومن دون فيتو.
وهناك أربعة ملفات للإصلاح: لكن أهمها هو إصلاح مجلس الأمن عبر عملية توسيعه. وهنا تتباين الآراء بين رغبة دول الجنوب التي تفضل أن تحتل كل من الهند ومصر والبرازيل وجنوب إفريقيا وباكستان والأرجنتين مقاعد في مجلس الأمن، وبين رغبة دول الشمال، التي تتباين هي بدورها في تفضيل مرشحيها. ففرنسا تريد دخول ألمانيا والهند واليابان إلى عضوية مجلس الأمن، غير أن الولايات المتحدة الأميركية والصين لهما رأي آخر.
كاتب تونسي